الإشارة : قد نهى الله - تعالى - أهل الجمع عن التشبه بأهل الفرق، في اختلاف قلوبهم ووجوههم وآرائهم وأنظارهم، من بعد ما جاءتهم الدلائل الواضحات على طلب جمع القلب على الله، والتودد في الله، وصرف النظرة في شهود الله، وأولئك المفترقون لهم عذاب عظيم، وأيّ عذاب أعظم من الحجاب ؟ يوم تبيض وجوه العارفين، فتكون كالشمس الضاحية، يسرحون في الجنان حيث شاءوا، وتسود وجوه الجاهلين ؛ لما يعتريها من الندم، وسوادها باعتبار وجوه العارفين في النقص عنها، وإن كانت مُبْيَضَّةً بنور الإيمان، لكن فاتهم نور الإحسان، فيقال : أكفرتم بالخصوصية في زمانكم، بعد إيمانكم بها فيمن سلف قبلكم ؟ فذوقوا عذاب القطيعة عن شهود الحبيب في كل حين، وأما الذين ابيضت وجوههم وأشرقت بنور البقاء، ففي رحمة الله، أي : جنة المعارف ﴿فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر﴾ [القَمَر : ٥٥]، فقد اتضحت الطريق، وظهرت أعلام التحقيق، لكن الهداية بيد الله، كما أنَّ الأمور كلها بيده، يهدي مَن يشاء ويضل من يشاء، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فُصّلَت : ٤٦]. وبالله التوفيق.
٣٥٧
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٥٦
قلت :﴿كان﴾ : على بابها من الدلالة على المُضِيِّ، أي : كنتم في اللوح المحفوظ، أو في علم الله، أو فيما بين الأمم المتقدمة، أو : صلة، أي : أنتم خير أمة، و ﴿للناس﴾ : يتعلق بأخرجت، أو بكنتم، أي : كنتم خير الناس للناس.
يقول الحقّ جلّ جلاله : لأمة نبينا محمد ﷺ :﴿كنتم﴾ في سابق علمي ﴿خير أمة﴾ ظهرت ﴿للناس﴾ تجيئون بهم إلى الجنة بالسلاسل. ثم بيَّن وجه فضلهم فقال :﴿تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ وبجميع ما يجب الإيمان به.