وليس أولها أولى بالمدح من آخرها، لقوله ﷺ :" أُمتي كالمَطَرِ، لا يُدْرَى أولهُ خيرٌ أو آخرُه " ؟ وفي خبر آخر عنه ﷺ قال :" اشتقْتُ إلى إخواني، فقال أصحابُه : نحتن إخوانُك يا رسول الله، فقال أنتم أصْحَابي، إخْواني : ناس يأتُون بعدي، يُؤمنون بي ولم يَرَوْنِي، يَوَدُّ أحدُهم لو يَرَاني بجميع ما يَمْلِكُ. يَعْدِلُ عملُ أحدهم سبعين منكم. قالوا : مِنْهم يا رسول الله ؟ قال : منكم. قالوا : ولِمَ ذلك يا رسول الله ؟ قال : لأنكم وَجَدْتُم على الخير أعْواناً، وهم لا يَجِدُوا عليه أعواناً " أو كما قال - عليه الصلاة والسلام -.
٣٥٨
قلت : التفضيل باعتبار أجور الأعمال، وأما باعتبار اليقين والمعرفة، فالصحابة أفضل الخلق بعد الأنبياء - عليهم السلام - ويدل على هذا قوله - عليه الصلاة والسلام - " يعدل عمل أحدهم "، ولم يقل إيمان أحدهم. والله تعالى أعلم.
الإشارة : كنتم يا معرش الصوفية خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالجمع على الله والغيبة عما سواه، وتنهونَ عن كلِّ ما يُبعد عن الله ويفرق العبدَ عن مولاه، وتؤمنون بالله وبما وعد به الله، إيمان الشهود والعيان، الذي هو مقام الإحسان. قال القشيري في رسالته :(قد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفضَّلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه).
وقال الجنيد رضي الله عنه : لو نعلم أن تحت أديمِ السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا، لسعيت إليه ولو حبواً. هـ. وكان كثيراً ما ينشد :
عِلْمُ التصوفِ عِلمٌ ليس يَعْرِفُهُ
إلاَّ أَخْو فِطْنَةِ بِالحقِّ معروفُ
وليسَ يُبْصِرهُ مَنْ ليس يَشْهدهُ
وكيفَ يَشْهَدُ ضوءَ الشمس مكفوفُ