ثم وصفهم بأوصاف توجب التنفير منهم فقال :﴿ودوا ما عنتم﴾ أي : تمنوا عنتكم وهلاككم وضلالكم، ﴿قد بدت البغضاء من أفواههم﴾ أي : ظهرت أمارة العداوة من أفواههم بالوقيعة في المسلمين، أو بإطلاع المشركين على عوراتهم، أو في كلامهم مع المسلمين بالغيظ، لأنهم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم، ﴿وما تخفي صدورهم﴾ من العداوة والبغضاء، ﴿أكبر﴾ مما أظهره، لأن ظهوره منهم ليس عن روية واختيار، بل من غلبة غيظ واضطرار. ﴿قد بيّنَا لكم﴾ أيها المؤمنون ﴿الآيات﴾ الدالة على مجانبة الكافرين ومولاة المؤمنين، ﴿إن كنتم تعلقون﴾ ما يُبين لكم.
﴿
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٦٣
هأنتم﴾ يا هؤلاء المخاطبين ﴿تحبونهم﴾ لما بينكم من المصاهرة والصداقة، ﴿ولا يحبونكم﴾ لما بينكم من مخالفة الدين، أو تريدون لهم الإسلام وهم يريدون لكم الكفر، وأنتم ﴿تؤمنون بالكتاب﴾ أي : بجنس الكتب، ﴿كله﴾ أي : بالكتب كلها، وهم لا يؤمنون بكتابكم، فكيف تحبونهم وهم يكذبون كتابكم ورسولكم ؟ وهم أيضاً ينافقونكم ؛ ﴿إذَا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا﴾ مع أنفسهم ﴿عضوا عليكم الأنامل من الغيظ﴾ لما يرون من ائتلاف المؤمنين، ولم يجدوا سبيلاً إلى التشفي فيكم، وهذه كناية عن شدة حقدهم، وإن لم يكن ثَمَّ عض في الخارج.
قال لهم الحقّ جلّ جلاله :﴿قل﴾ لهم يا محمد :﴿موتوا بغيظكم﴾ ؛ فإنما ضرر غيظكم عليكم، أو دوموا على غيظكم حتى تموتوا عليه، فإن مادة الإسلام لا تزال تنمو حتى تهلكوا، ﴿إن الله عليم بذات الصدور﴾ أي : بحقيقة ما في قلوبكم من البغضاء
٣٦٤
والحَنَقَ، أو بما في القلوب من خير أو شر. هو من مقول الرسول لهم، أو من كلام الله تعالى، استئناف، أي : لا تعجب من إطلاعي إياك على أسرارهم، فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم.