يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿يا أيها الذين آمنوا إن تُطيعوا الذين كفروا﴾ وهم المنافقون، لما قالوا للمسلمين عند الهزيمة : ارجعوا إلى دينكم الأول، ولو كان نبيّاً ما قتل، ﴿يردوكم على أعقابكم﴾ راجعين عن إيمانكم، ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾ مفتونين عن دينكم، فتحبط أعمالكم فتخسروا الدنيا والآخرة، بل أثبتوا على إيمانكم، فإن الله ﴿مولاكم﴾ سينصركم ويعزكم، ﴿وهو خير الناصرين﴾، وقيل : إن تسكنوا إلى أبي سفيان
٣٨٢
وأشياعه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم. وقيل : عام في مطاوعة الكفرة والنزول على حكمهم ؛ فإنه يجر إلى موافقتهم على دينهم، لا سيما إن طالت مدة الاستئمان.
قلت : وهذا هو السبب في ارتداد من بقي من المسلمين بالأندلس حتى رجعوا نصارى، هم وأولادهم، والعياذ بالله من سوء القضاء.
الإشارة : يا أيها المريدون - وخصوصاً المتجردين - إن تطيعوا العامة، وتركنوا إليهم، يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بطلب الدنيا وتعاطي أسبابها، فتزلَّ قدمٌ بعد ثُبْوتها، وتنحط من الهمة العالية إلى الهمة السفلى، فإن الطباع تُسرق، والمرء على دين خليله، بل أثبتوا على التجريد وتحقيق التوحيد، فإن الله مولاكم ﴿وهو خير الناصرين﴾ ؛ فينصركم ويعزكم ويغنيكم بلا سبب، كما وعدكم ؛ ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق : ٢، ٣].
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٨٢
قلت :﴿الرعب﴾ : الخوف، وفيه الضم والسكون، وهكذا كل ثلاثي ساكن الوسط، كالقدس والعسر واليسر، وشبه ذلك، و ﴿بما أشركوا﴾ : مصدرية.
يقول الحقّ جلّ جلاله : سنقذف ﴿في قلوب الذين كفروا﴾ كأبي سفيان وأصحابه، ﴿الرعب﴾ والخوف، حتى يرجعوا عنكم بلا سبب، بسبب شركهم بالله ﴿ما لم ينزل به سلطاناً﴾ ولا حجة على استحقاق العبادة، ﴿ومأواهم النار﴾ أي : هي مقامهم، ﴿وبئس مثوى الظالمين﴾ أي : قبح مقامهم. ووضع الظاهر موضع المضمر للتغليظ في العلة.


الصفحة التالية
Icon