الإشارة : فيها تسلية للفقراء، فإنَّ كل من هم بإذايتهم ألقى الله في قلبه الرعب، حتى لا يقدر أن يتوصل إليهم بشيء مما أمَّل فيهم، وقد رأيتهم هموا بقتلهم وضربهم وحبسهم، وسعوا في ذلك جهدهم، وعملوا في ذلك بينات على زعمهم، تُوجب قتلهم، فكفاهم الله أمرهم، وألقى الرعب في قلوبهم، فانقلبوا خائبين وماتوا ظالمين، والله ولي المتقين.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٨٢
٣٨٣
قلت : حسَّه : إذا قتله وأبطل حسه، وجواب ﴿إذا﴾ : محذوف، أي : حتى إذا فشلتم وتنازعتم وعصيتم امتحناكم بالهزيمة، والواو لا ترتب، والتقدير : حتى إذا تنازعتم وعصيتم وفشلتم سلبنا النصر عنكم.
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿ولقد صدقكم الله﴾ ما وعدكم من النصر لو صبرتم واتقيتم، وذلك حين كنتم ﴿تحسونهم﴾ بالسيف، وتقتلونهم حتى انهزموا هاربين، بإذنه تعالى وإرادته، ﴿حتى إذا فشلتم﴾ أي : جبنتم وضعف رأيكم وملتم إلى الغنيمة، ﴿وتنازعتم﴾ في الثبات مع الرماة حين انهزم المشركون، فقلتم : الغنيمةَ الغنيمةَ، فما وقوفكم هنا! وقال آخرون : لا تخالفوا أمر الرسول، ثم تركتم المركز، ﴿وعصيتم الرسول من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ من النصر والغنيمة، امتحناكم حينئذ بالهزيمة.
فمنكم ﴿من يريد الدنيا﴾ ليصرفها في الآخرة، وهم الذين خالفوا المركز وذهبوا للغنيمة، ﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾ صِرفاً، وهم الثابتون مع عبد الله بن جبير، محافظةً على أمر رسول الله ﷺ، ﴿ثم صرفكم عنهم﴾ حين خالفتم أمر الرسول، ﴿ليبتليكم﴾ أي : ليختبركم، فيتبين الصابر من الجازع، والمخلص من المنافق، ﴿ولقد عفا عنكم﴾ فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، لاستحقاقكم ذلك، أو تجاوز عن ذنبكم وتفضل بالتوبة والمغفرة، ﴿والله ذو فضل﴾ عظيم ﴿على المؤمنين﴾ ؛ يتفضل عليهم بالمغفرة في الأحوال كلها، سواء أديل عليهم أو لهم، فإن الابتلاء أيضاً رحمة وتطهير. والله تعالى أعلم.