الإشارة : يقول للفقراء الذين استشرفوا على بلاد الخصوصية، ثم فشلوا ورجعوا إلى بلاد العمومية : ولقد صدقكم الله وعده في إدراك الخصوصية لو صبرتم، فإنكم حين كنتم تجاهدون نفوسكم وتحسونها بسيوف المخالفة، لمعت لكم أنوار المشاهدة، حتى إذا فشلتم وتفرقت قلوبكم، وعصيتم شيوخكم قلَّت أمدادكم، وأظلمت قلوبكم، من بعد ما رأيتم ما تحبون من مبادئ المشاهدة، فملتم إلى الدنيا الفانية، فمنكم يا معشر المنتسبين من يريد الدنيا، فصحب العارفين على حرف، وهو الذي رجع وفشل، ومنكم من يريد الآخرة وقطع يأسه من الرجوع إلى الدنيا، وهو الذي ثبت حتى ظفر، ثم صرفكم عن حصبة العارفين، يا من أراد الدنيا من المنتسبين، ليبتليكم، هل صحبتموهم لله أو لغيره، ولقد عفا عنكم وجعلكم من عوام المسلمين، ولم يسلب عنكم الإيمان عقوبة لترك صحبة العارفين. أو لقد عفا عنكم إن رجعتم إلى صحبتهم والأدب معهم، فإن الله ﴿ذو فضل على المؤمنين﴾ حيث لم يعاجلهم بالعقوبة. وبالله التوفيق.
٣٨٤
وقال الورتجبي : قوله :﴿منكم من يريد الدنيا﴾، أي : منكم من وقع في بحر غني القدم، واتصف به بنعت التمكين ورؤية النعم في شكر المنعم، كسليمان عليه السلام. ومنكم من وقع في بحر التنزيه وتقديس الأزلية، فغلب عليه القدس والطهارة، فخرج بنعت الفقر ؛ تجريداً لتوحيده وإفرادِ قدمه من الحدث، كمحمدٍ ﷺ حيث قال :" الفقر فخري ".
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٨٣
قلت :﴿إذْ﴾ : ظرف لعفا، أو اذكر. وأصعد : أبعد في الأرض، وصعد : في الجبل، فالإصعاد : الذهاب في الأرض المستوية، والصعود : الارتقاء في العلو. وقرئ بهما معاً ؛ لأنهما وقعا معاً، فمنهم من فرّ ذاهباً في الأرض، ومنهم من صعد إلى الجبل.
و ﴿لكيلا﴾ : متعلق بأثابكم.


الصفحة التالية
Icon