يقول الحقّ جلّ جلاله : ولقد عفا عنكم حين كنتم ﴿تُصْعِدُون﴾ عن نبيه - عليه الصلاة والسلام -، منهزمين عنه، تبعدون عنه، ﴿ولا تلوون على أحد﴾ أي : لا يلتفت بعضكم إلى بعض، ولا ينتظر بعضكم بعضاً، ﴿والرسول﴾ محمد ﷺ ﴿يدعوكم في أخراكم﴾ أي : في ساقتكم، يقول :" إليَّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكرُّ فله الجنة "، وفيه مدح للرسول ﷺ بالشجاعة والثبات، حيث وقف في آخر المنهزمين، فإن الآخر هو موقف الأبطال، والفرار في حقه ﷺ محال.
﴿فأثابكم﴾ أي : فجازاكم على ذلك الفرار، ﴿غمّاً﴾ ؛ وهو ظهور المشركين عليكم وقتل إخوانكم، بسبب غم أوصلتموه للنبيّ ﷺ بعصيانه والفرار عنه، وقدَّر ذلك ﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم﴾ من الغنيمة، ﴿ولا﴾ على ﴿ما أصابكم﴾ من الجرح والهزيمة، لأن من استحق العقوبة والأدب لا يحزن على ما فاته ولا على ما أصابه ؛ إذ جريمته تستحق أكثر من ذلك، يرى ما نزل به بعض ما يستحقه، فيهون عليه أمر ما نزل به أو ما فاته من الخير.
أو يقول :﴿فأثابكم غمّاً﴾ متصلاً ﴿بغم﴾ ؛ فالغم الأول : ما فاتهم من الظفر والغينمة، والثاني : ما نالهم من القتل والهزيمة، أو الأول : ما أصابهم من القتل
٣٨٥
والجراح، والثاني : ما سمعوا من الإرجاف بقتل النبيّ ﷺ، وذلك ليتمرنوا على المحن والشدائد حتى لا يجزعوا من شيء، وبذلك وصفهم كعب بن زهير في لاميته، حيث قال :
لاَ يَفْرَحُونَ إِذا نَالَتْ رِماحُهُمْ
وَلَيْسُوا مجازيعاً إذا نِيلُوا
فإن المتمرّن على المصائب المتعوّد عليها يهون عليها أمرها، فلا يحزن على ما أصابه ولا ما فاته، ﴿والله خبير بما تعملون﴾ وبما قصدتم، فيجازيكم على ذلك.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٨٥