يقول الحقّ جلّ جلاله : فبرحمة من الله ونعمة كنت سهلاً ليناً رفيقاً، فحين عصوا أمرك، وفروا عنك، ألنت لهم جانبك، ورفقت بهم، بل اغتممت من أجلهم مما أصابهم، ﴿ولو كنت فظّاً﴾ جافياً سيىء الخلق ﴿غليظ القلب﴾ قاسيَهُ فأغلظت لهم القول، ﴿لانفضوا من حولك﴾ أي : لتفرقوا عنك، ولم يسكنوا إليك، ﴿فاعف عنهم﴾ فيما يختص بك، ﴿واستغفر لهم﴾ في حق ربك حتى يشفعك فيهم ﴿وشاورهم في الأمر﴾ الذي يصح أن يشاور فيه ؛ تطييباً لخاطرهم، ورفعاً لأقدارهم، واستخراجاً وتمهيداً لسنة المشاورة لغيرهم، وخصوصاً الأمراء.
قال عليه الصلاة والسلام :" ما شقا عبد بمشورة، وما سعد باستغناء برأي " قال أيضاً :" مَا خَابَ من اسْتَخَارَ، وَلاَ نَدِمَ من اسْتَشَارَ " وقال أيضاً - عليه الصلاة والسلام - " إذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ أَسخيَاءَكُمْ، وأَمرُكُم شُورَى بَيْنَكُم، فَظَهْرُ الأرْض خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا. وإذا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ، ولم تكن أموركم شُورَى بَيْنَكُم، فبَطْنُ الأرْضِ خَيرٌ من ظَهْرِهَا ". ﴿فإذا عزمت﴾ على شيء بعد الشورى، ﴿فتوكل على الله﴾ أي : ثق به وكيلاً، ﴿إن الله يحب المتوكلين﴾ فينصرهم ويهديهم إلى ما فيه صلاحهم.
الإشارة : ما اتصف به نبينا - عليه الصلاة والسلام - من السهولة والليونة والرفق بالأمة، اتصفت به ورثته من الأولياء العارفين، والعلماء الراسخين، ليتهيأ لهم الدعوة إلى الله، أو إلى أحكام الله، ولو كانوا فظاظاً غلاظاً لانفض الناس من حولهم، ولم يتهيأ لهم تعريف ولا تعليم، فينبغي لهم أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا ويصبروا على جفوة الناس،
٣٩١
ويستغفروا لهم، ويشاوروهم في أمورهم، اقتداء برسولهم، فإذا عزموا على إمضاء شيء فليتوكلوا على الله ؛ ﴿إن الله يحب المتوكلين﴾.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٩١