قال الجنيد - رضي الله عنه - :(التوكل أن تقبل بالكلية على ربك وتعرض عمن دونه). وقال الثوري : أن تفني تدبيرك في تدبيره، وترضى بالله وكيلاً ومدبراً، قال الله تعالى :﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [النِّساء : ٨١]. وقال ذو النون :(خُلع الأرباب، وقطع الأسباب) وقال الخواص : قطع الخوف والرجاء مما سوى الله تعالى. وقال العرجي : رد العيش إلى يوم واحد، وإسقاط هم غد. هـ. وقال سهل : معرفة معطي أرزاق المخلوقين، ولا يصح لأحد التوكل حتى تكون عنده السماء كالصفر والأرض كالحديد، لا ينزل من السماء قطر، ولا يخرج من الأرض نبات، ويعلم أن الله لا ينسى له ما ضمن من رزقه بيه هذين. هـ. وقيل : هو اكتفاء العبد الذليل بالرب الجليل، كاكتفاء الخليل بالخليل، حين لم ينظر إلى عناية جبريل. وقيل لبهلوان المجنون : متى يكون العبد متوكلاً ؟ قال : إذا كان بالنفس غريباً بين الخلق، وبالقلب قريباً إلى الحق.
وقال النبيّ ﷺ :" مَنْ سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أكْرَم النَّاسِ فَلْيَتقِ الله، ومَنْ سَرَّه أن يكُون أغْنَى النَّاس فيكنِ بما في يد الله أوثق منه بما في يَده ". قال ابن جزي : التوكل هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع وحفظها بعد حصولها، وفي دفع المضرات ورفعها بعد وقوعها، وهو من أعلى المقامات، لوجهين : أحدهما : قوله :﴿إن الله يحب المتوكلين﴾، والآخر : الضمان الذي في قوله :﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطّلاَق : ٣]، وقد يكون واجباً لقوله :﴿وَعَلَى اللَّهِ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المَائدة : ٢٣]، فجعله شرطاً في الإيمان، ولظاهر قوله :﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونِ﴾ [آل عِمرَان : ١٢٢] ؛ فإن الأمر محمول على الوجوب.
واعلم أن الناس في التوكل على ثلاث مراتب :


الصفحة التالية
Icon