الأولى : أن يعتمد العبد على ربه، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده، الذي لا يشك في نصحيته له وقيامه بمصالحه. الثانية : أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمه ؛ لا يعرف سواها ولا يلجأ إِلاَّ إليها. الثالثة : أن يكون العبد مع ربه كالميت بين يدي الغاسل، قد أسلم إليه نفسه بالكلية.
فصاحب الدرجة الأولى عنده حظ من النظر لنفسه، بخلاف صاحب الثانية. وصاحب الثانية له حظ من الاختيار، بخلاف صاحب الثالثة. وهذه الدرجات مبنية على التوحيد الخاص، الذي تكلمتُ عليه في قوله :﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ﴾ [البَقَرَة : ١٦٣]، فهي تقوى بقوته وتضعف بضعفه.
٣٩٢
فإن قيل : هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا ؟ فالجواب : أن الأسباب على ثلاثة أقسام :
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٩١
أحدها : سبب معلوم قطعاً قد أجراه الله، فهذا لا يجوز تركه ؛ كالأكل لرفع الجوع وللباس لرفع البرد.
الثاني : سبب مظنون : كالتجارة وطلب المعاش، وشبه ذلك، فهذا لا يقدح فعله في التوكل، فإن التوكل من أعمال القلوب لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي عليه.
والثالث : سبب موهوم بعيد، فهذا يقدح فعله في التوكل، قلت : ولعل هذا مثل طلب الكيمياء والكنوز وعلم النار والسحر، وشبه ذلك.
ثم فوق التوكل التفويض، وهو : الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن المتوكل له مراد واختيار، وهو يطلب مراده في الاعتماد على ربه، وأما المفوض فليس له مراد ولا اختيار، بل أسند الاختيار إلى الله تعالى، فهو أكمل أدباً مع الله. هـ. وأصله للغزالي، وسيأتي بقية الكلام عند قوله :﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِى لاَ يَمُوتُ﴾ [الفُرقان : ٥٨]. وبالله التوفيق.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٩١