يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿إن ينصركم الله﴾ كما نصركم يوم بدر، ﴿فلا غالب لكم﴾ من أحد من الناس، ﴿وإن يخذلكم﴾ كما خذكم يوم أحد، ﴿فمن﴾ هذا ﴿الذي ينصركم من بعده﴾ تعالى، أي : فلا ناصر سواه. وهذا تنبيه على الحث على التوكل، وتحريض على ما يستوجب به النصر، وهو الاعتماد على الله، وتحذير مما يستوجب الخذلان، وهو مخالفة أمره وعصيان رسوله، أو الاعتماد على غيره، ولذلك قال :﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ ؛ لِمَا علموا ألا ناصر سواه.
الإشارة : إن ينصركم الله على مجاهدة النفوس، ودوام السير إلى حضرة القدوس، فلا غالب لكم من النفس، ولا من الناس ولا من الهوى ولا من الشيطان، وإن يخلذكم - والعياذ بالله - فمن ذا الذي ينصركم من بعد خذلانه لكم ؟ فليعتمد المريد في سيره على مولاه، وليستنصر به في قطع حظوظه وهواه، فإنه لا ناصر له سواه. وأنشدوا :
إِذَا كَانَ عُوْنُ اللّهِ لِلمَرْءِ نَاصِراً
تَهَيَّأ لَهُ مِنْ كُلِّ صَعْبِ مُرَادُهُ
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِن اللّهِ للْفَتَى
فَأَكْثَرُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ
٣٩٣
وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٩٣
قلت : الغلول : السرقة من الغنائم، فمن قرأ بفتح الياء وضم الغين، فمعناه : لا ينبغي له أن يأخذ شيئاً من الغنيمة خفية، والمراد : تبرئة رسوله - عليه الصلاة والسلام - من ذلك. ومن قرأ بضم الياء ففيه وجهان : أحدهما : أن يكون المعنى، ما كان لنبي أن يُخان، أي : أن تخونه أُمّتُه في المغانم، وكذلك الأمراء، وإنما خص النبيَّ ﷺ بذلك ؛ لبشاعة ذلك مع النبيّ ؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته، والثاني : أن يكون المعنى : ما كان لنبي أن يُنسب إلى الخيانة ؛ كقوله :﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكّذِّبُونَكَ﴾ [الأنعَام : ٣٣] أي : لا ينسبونك إلى الكذب.