يقوله الحقّ جلّ جلاله :﴿ما كان﴾ ينبغي ﴿لنبيٍّ أن يغل﴾ ويأخذ شيئاً من الغنيمة خفية ؛ لأن ذلك خيانة والنبوة تنافي ذلك، والمراد : نزاهة الرسول - عليه الصلاة والسلام - عن ذلك، كقوله :﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريَم : ٣٥]، ودفعُ ما توهمه الرماة، فقد رُوِيَ أنه - عليه الصلاة والسلام -قال لهم لما تركوا المركز :" ألمْ أعْهَد إليكُمْ ألا تَتْركُوا المركَزَ حتَّى يأتيكُمْ أمْري ؟ " قالوا : تَرَكْنا بقية إخْوانِنَا وُقوفاً، فقال النبيّ ﷺ :" بل ظَننْتُم أنّا نَغُلّ ولا نقْسِمُ لكُمْ " فنزلت الآية. وقيل إنه - عليه الصلاة والسلام - : بعث طلائع، فغنم رسول الله ﷺ، وقسم على من معه فقط، فنزلت، فاسترجع ذلك منهم. وقيل : في قطيفة حمراء فُقدت يوم بدر، فقال المنافقون : لَعَلَّ رَسُولَ اللّهِ ﷺ أَخَذَهَا، فنزلت.
ثم ذكر وعيد الغلول، فقال :﴿ومن يَغْلُلْ يأت بما غَلَ يوم القيامة﴾ أي : يأتي بالذي غله يحمله على رقبته، قال عليه الصلاة والسلام :" لا ألقى أحَدكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ يَجِيءُ على رَقَبته بَعِيرٌ لَهُ رُغَاء، أوْ بَقَرَةٌ لَهَ خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ " ثم قال :" اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ؟ ثلاثاً " كما في البخاري.
﴿ثم توفّى كل نفس﴾ جزاء ﴿ما كسبت﴾ تاماً، ﴿وهم لا يظلمون﴾ بنقص ثواب مُطيعهم، ولا يزاد على عقاب عاصيهم وكان اللائق بما قبله أن يقول : ثم يوفى ما
٣٩٤
كسب. لكنه عمم الحكم ؛ ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه، وأنه إذا كان كل كاسب مجزياً بعمله، فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى. قاله البيضاوي.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٣٩٤


الصفحة التالية
Icon