الله ومَنْ هِمَّتُه سواه، وما كان الله ليُطلعكم على الغيب حتى يعلموا من يثبت ممن يرجع، أو يعلموا ما يلحقهم من الجلال والجمال، وإنما ذلك خاص بالرسل عليهم السلام، وقد يُطلع على شيء من ذلك بعض خواص ورثتهم الكرام، فالواجب على المريد أن يُؤمن بالقدر المغيب، ولا يستشرف على الاطلاع عليه ؛ " استشرافُك على ما بطن فيك من العيوب، خير من استشرافك على ما حُجب عنك من الغيوب ". ﴿وإن تؤمنوا﴾ بمواقع القضاء والقدر، ﴿وتتقوا﴾ القنوط والكدر، ﴿فلكم أجر عظيم﴾.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٤٠٥
قلت : من قرأ بالخطاب ؛ فالموصول مفعول أول، و ﴿خيراً﴾ : مفعول ثان، والضمير للفصل، والخطاب للرسول ﷺ، ولا بد من حذف مضاف، أي : لا تحسبن بُخلَ الذين يبخلون خيراً لهم، ومن قرأ بالغيب ؛ فـ ﴿الذين﴾ : فاعل، والمفعول الأول محذوف، لدلالة ﴿يبخلون﴾ عليه، لا يحسبن البخلاء خيراً لهم، والطوق : ما يدار بالعنق.
يقول الحقّ جلّ جلاله : ولا يظنن ﴿الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله﴾ من الأموال، فلم يؤدوا زكاتهم، أن بخلهم خير لهم، ﴿بل هو شر لهم﴾ ؛ لاستجلابه العذاب إليهم، ثم بيَّنه بقوله :﴿سيطوقون ما بخلوا به﴾ أي : يلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق للعنق، وقيل : يطوق به حقيقة، لقوله عليه الصلاة والسلام :" ما من رَجُل لا يؤدي زكاة ماله إلا إذا كان يوم القيامة - مُثِّلَ له شُجَاعاً أقْرع، له زَبِيبتَان، يطوِّقُه، ثم يأخُذُ بِلْهزِمتيه - أي : شدقيه - يقول : أنا كنْزكَ، أنا مَالُكَ، ثم تلا هذه الآية :﴿ولا يحسبن...﴾ " وقيل : يجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقاً من نار.
والمال الذي بخل به هو لله، وسيرجع لله، ﴿ولله ميراث السماوات والأرض﴾ فهو الذي يرث الأرض ومن عليها، فكيف يبخل العبد بمال الله، وهو يعلم أنه يرجع لله، فيموت ويتركه لمن يسعد به! ولله درّ القائل، حيث قال :
يا جَامِعَ الْمَالِ كَمْ تُضَرُّ به


الصفحة التالية
Icon