وذلك أن القرابين والغنائم كانت حراماً على بني إسرائيل، وكانوا إذا قرَّبوا قُرباناً، أو غنموا غنيمة، فتقبل منهم، ولم يُغل من الغنيمة، نزلت نار بيضاء من السماء، فتأكل ذلك القربان أو الغنيمة، فيكون ذلك علامة على القبول، وإذا لم يتقبل بقي على حاله، وهذا من تعنتهم وأباطيلهم، لأن أكل القربان لم يُوجبْ الإيمانَ إلا لكونه معجزة، وسائر المعجزات في ذلك سواء، فلذلك ردَّ عليهم بقوله :﴿قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات﴾ أي : المعجزات الواضحات، ﴿وبالذي قلتم﴾ من أكل النار القربان، فكذبتموهم وقتلتموهم كزكريا ويحيى وغيرهما، ﴿فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين﴾ في دعواكم أنه ما منعكم من الإيمان إلا عدم ظهور هذه المعجزة، فما لكم لم تؤمنوا بمن جاء بها حتى قتلتموه ؟ والله تعالى أعلم.
٤٠٨
الإشارة : ما زالت خواص العامة مولعةً بالإنكار على خواص الخاصة، يسترقون السمع منهم، إذا سمعوا كلمة لم يبلغها علمُهم، وفيها ما يوجب النقص من مرتبتهم، حفظوها، وحرفوها، وأذاعوها، يريدون بذلك إطفاء نورهم، وإظهار عُوَراهم، والله حفيظ عليهم، سيكتب ما قالوا وما قصدوا من الإنكار على أوليائه، ويقول لهم : ذوقوا عذاب البعد والحجاب. وما يتشبثون به في الإنكار عليهم : اقتراحهم الكرامات التي كانت للأولياء قبلهم، ويقولون : لا نصدق بهم حتى يأتون بما أتى به فلان وفلان، فقد كان من قبلهم يطعنون فيهم مع ظهور ذلك عليهم، كما هو سنة الله فيهم. ﴿والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٤٠٧
قلت :﴿الزبر﴾ : جمع زبور، بمعنى مزبور، أي : مكتوب، من زبرت، أي : كتبت، وكل كتاب فهو زبور، وقال امرؤ القيس :
لِمَنْ طَلَلٌ أبْصَرْتُهُ فَشَجَانِي
كَخَطِّ زَبَورٍ في عَسِيبٍ يَمَانِ


الصفحة التالية
Icon