يقول الحقّ جلّ جلاله : في تسلية رسوله - عليه الصلاة والسلام - من تكذيب اليهود وغيرهم له :﴿فإن كذبوك﴾ فليس ذلك ببدع ؛ ﴿فقد كُذبت رسل﴾ مثلك ﴿من قبلك﴾ جاءوا قومهم بالمعجزات البينات، وبالكتب المنزلات، فيها مواعظ زاجرات، ﴿وبالكتاب المنير﴾ المشتمل على الأحكام الشرعيات.
الإشارة : كما كُذبت الأنبياء كُذبت الأولياء، بعد أن ظهر عليها من العلوم الباهرة والحكم الظاهرة والكرامات الواضحة، وأعظمها المعرفة، وهذه سنة ماضية، ولن تجد سنة الله تبديلاً.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٤٠٨
قلت :﴿زحزح﴾ : بُوعِدَ، والزحزحة : الجذب والإخراج بعجلة.
٤٠٩
يقول الحقّ جلّ جلاله : كل نفس منفوسة لا بد أن تذوق حرارة الموت، وتسقى كأس المنون، وإنما توفون جزاء أعمالكم يوم القيامة، يوم قيامكم من القبور، خيراً كان أو شرّاً.
قال البيضاوي : ولفظ التوفية يشعر بأنه قد يكون قبلها بعض الأجور، أي : توفية بعض الأجور، ويؤديه قوله ﷺ :" القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجنةِ، أو حُفْرةٌ مِنْ حُفَرِ النارِ "، ﴿فمن زحزح﴾ أي : بُوعد ﴿عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾ بالنجاة ونيل المراد، وعنه ﷺ :" من أحبَ أن يُزحزَحَ عن النارِ ويُدْخَل الجَنَةَ ؛ فَلتُدرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، ويَأتِي، إلى النَاسِ ما يُحِبُّ أن يُؤْتى إِليْه ". ﴿وما الحياة الدنيا﴾ وزخارفها ولذاتها ﴿إلا متاع الغرور﴾ ؛ فإن الغار - وهو المُدلِّس - يظهر ما هو حسن من متاعه، ويخفي ما هو معيب، كذلك الدنيا تبتهج لطالبها، وتُظهر له حلاوتها وشهواتها، حى تشغله عن ذكر الله وعن طاعته، فيؤثرها على آخرته، ثم يتركها أحوج ما يكون إليها، فينقلبُ نادماً متحسراً، وفي ذلك يقول الشاعر :
ومَنْ يحمد الدنيا لشيء يسره
فسوف للعُسْرِ عن قَرِيبٍ يَلُومُها
إذا أدبرت كانتْ على المرء حسرةً