جزء : ١ رقم الصفحة : ٤١٧
فمحا عن عين بصائرهم سيئات الأغيار، وطهَّر قلوبهم من درن الأكدار، حتى دخلوا جنة المعارف، التي لا يحيط بوصفها وصف واصف، تجري من تحتها أنهار العلوم، وتنفتح منها مخازن الفهوم، ثواباً من عند الحيّ القيوم والله تعالى أعلم.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٤١٧
قلت : النُزل - ويسكن - : ما يقدم للنازل من طعام وشراب وصلة، وانتصابه : على الحال من ﴿جنات﴾، والعامل فيه : الظرف، أو على المصدر المؤكد، أي : أُنزلوها نزلاً.
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿لا يغرنك﴾ أيها السامع أو أيها الرسول، والمراد : تثبيته على ما كان عليه، كقوله :﴿فلا تطع المكذبين﴾، أي : دم على ما أنت عليه من عدم اغترارك بظاهر ما ترى عليه الكفار من البسط في الدنيا، والتقلب فيها بالتجارات والزراعات، وما هم عليه من الخصب ولين عيش، فإن ذلك ﴿متاع قليل﴾ بلغة فانية، ومتعة زائلة، وظلال آفلة، وسحابة حائلة. قال ﷺ :" ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلاَّ مِثْلُ ما يَجْعَلُ أَحَدُكُم إصْبَعَهِ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُر بِمَ يَرْجِعَ " فلا بد أن يرحلوا عنها قهراً، ﴿ثم مأواهم﴾ أي : مصيرهم ﴿جهنم وبئس المهاد﴾ ما مهدوا لأنفسهم.
والمعتبر عند الأكياس هو ما أعد الله للمتقين من الناس، قال تعالى :﴿لكن الذين اتقوا ربهم﴾ وخافوا عقابه، ﴿لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾، هيأ ذلك لهم وأعده ﴿نزلاً من عند الله﴾ هذا النزول الذي يقدم للضيف، وأما ما أعد لهم بعد النزول فلا يُعتبر عن لسان، ولذلك قال :﴿وما عند الله﴾ من النعيم الذي لا يفنى،
٤١٨
جسماني وروحاني، ﴿خير للأبرار﴾ مما ينقلب إليه الفجار. قيل : حقيقة البر : هو الذي لا يؤذي الذر.