يقول الحقّ جلَ جلاله :﴿لا يحب الله الجهر﴾ أي : الإجهار ﴿بالسوء من القول﴾ ؛ لأنه مِن فِعل أهل الجفاء والجهل ﴿ألا من ظُلم﴾ فلا بأس أن يجهر بالدعاء على ظالمه، أو بالشكوى به. نظيرها :﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِن سَبِيلٍ﴾ [الشّورى : ٤١]. قال مجاهد : هذا في الضيف النازل إذا لم يُضَف ومُنِع حقه، أو أُسِيءَ قِراه، فقد رخص له أن يذكر ما صُنعَ به. وزَعَم أن ضيفًا تَضَيَّفِ قومًا فأساؤوا قراه، فاشتكاهم، فنزلت الآية رخصة في شكواه. ﴿وكان الله سميعًا﴾ لدعاء المظلوم، ورده على الظالم، فلا يحتاج إلى جهره، ﴿عليمًا﴾ بالظالم فيعاقبه على قدر جرمه.
ثم رغَّب في العفو فقال :﴿إن تُبدوا خيرًا﴾ : طاعة وبرًا كحسن الخلق ولين الجانب، ﴿أو تُخفوه﴾ أي : تفعلوه سرًا، ﴿أو تعفوا عن سوء﴾ بأن لا تؤاخذوا به من أساء إليكم، وهذا هو المقصود بالذكر، وإنما ذُكِرَ إبداءُ الخير وإخفاؤُه سببًا ووسيلة لذكره، ولذلك رتب عليه ﴿فإن الله كان عفوًا قديرًا﴾ أي : كثير العفو عن العُصاة، مع كمال قدرته على الانتقام، فأنتم أولى بذلك، وهو حث للمظلوم على العفو، بعدما رخَّص له في الانتصار، حملاً على مكارم الأخلاق.
الإشارة : اعلم أن الباطن إذا كمل تطهيره وتحقق تنويره ؛ ظهر أثر ذلك على الظاهر من مكارم الأخلاق، ولين الجانب، وحسن الخطاب، وترك العتاب، فما كمن في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر ؛ وما كمن فيك ظهر على فيك، وهذه أخلاق الصوفية ـ رضي الله عنهم وأرضاهم ـ وبذلك وصفهم القائل فيهم، فقال :
هيْنُون ليْنُون أيسَارٌ بنو يَسَرٍ
سُوَّاسُ مَكرُمَةِ أبناءُ أيسَارِ
لا يَنطقُون بغيرِ الحقِّ إن نطقُوا
ولا يُمَاروُنَ إن مارَوُا بإكثَارِ
مَن تَلق مِنهُم تَقُل هذاك سَيِّدهُم
مِثلُ النُّجُومِ التي يُهدَى بها السَّارِ
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٢١
١٢١


الصفحة التالية
Icon