وهذا السؤال، وإن كان من آبائهم، أُسند إليهم ؛ لأنهم كانوا آخذين بمذهبهم تابعين لهديهم، فما اقترحوا عليكم ليس بأول جهالاتهم وتشغيبهم ؛ بل عُرفُهُم راسخٌ في ذلك، فلا تستغرب ما وقع منهم.
ثم فسر سؤالهم بقوله :﴿فقالوا أرنا الله جهرة﴾ أي : عيانًا في الحس، ﴿فأخذتهم الصاعقة﴾، بأن جاءت نار من السماء فأهلكتهم، فماتوا ثم بُعثوا بدعوة موسى عليه السلام وذلك بسبب ظلمهم. وهو تعنتهم وسؤالهم لما أستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها. وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقًا. وسيأتي في الإشارة تحرير ذلك.
﴿ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات﴾ على وحدانيته تعالى. وهذه جناية أخرى اقترفها أيضًا أوائلهم، ﴿فعفونا عن ذلك﴾ حيث تابوا، ولم نعاجلهم بالعقوبة، ﴿وأتينا موسى سلطانًا مبينًا﴾ أي : تسلطًا ظاهرًا عليهم، حين أمرهم أن يقتلوا أنفسهم، توبة من اتخاذهم العجل إلهًا، وحجة واضحة على نبوته كالآيات التسع.
﴿
جزء : ٢ رقم الصفحة : ١٢٣
ورفعنا فوقهم الطور﴾ حيث امتنعوا من قبول أحكام التوراة، بسبب ميثاقهم الذي أخذناه عليهم، وهو التزام أحكام التوراة، وقلنا لهم على لسان موسى :﴿ادخلوا الباب سجّدًا﴾ أي : باب بيت المقدس، فدخلوا يزحفون على استاههم عنادًا واستهزاءً، وقلنا لهم :﴿لا تعدوا في السبت﴾ على لسان داود عليه السلام، فاعتدوا فيه بالاصطياد، فمسخناهم قردةً وخنازير، ﴿وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا﴾ على ذلك كله، فنقضوا جميع ذلك، أو ميثاقًا غليظًا في التوراة ؛ لئن أدركوك ليؤمنن بك، وليبينن صفتك للناس، فنقضوا وكتموا. والله تعالى أعلم.