الإشارة : فلما استيأس القلب من الدنيا، والرجوع إليها، وقطع يأسه من حظوظها وهواها، خلصت له المناجاة وصفت له أنوار المشاهدات، وأنواع المكالمات، والقلب هو كبير الأعضاء وملكها، فيقول لها : ألم تعلموا أن الله قد أخذ عليكم موثقاً ألا تعصوه ولا تُخالفوه، ومن قبل هذا وهو زمان البطالة، قد فرطتم في عبادته، فلن أبرح أرض العبودية حتى يأذن لي في العروج إلى سماء شهود عظمة الربوبية، أو يحكم لي بالوصال، وهو خير الحاكمين. فإن وقعت من الجوارح هفوة فيقال لها : ارجعوا إلى أبيكم ـ وهو القلب ـ فقولوا : إن ابنك سرق، أي : تعدى وأخذ ما ليس له من الهوى فيما ظهر لنا، وما شهدنا إلا بما علمنا، فرب معصية في الظاهر طاعة في الباطن، واسأل البشرية التي كنا فيها والخواطر التي أقبلنا على المعصية فيها، فيقول القلب : بل زينت لكم أنفسكم أمر الهوى، فدواؤكم الصبر الجميل، والتوبة للعظيم الجليل، عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً، فنصرفهم في طاعة الله ومرضاته. والله تعالى أعلم بأسرار حِكَم كتابه، فعلم الإشارة يقبل مثل هذا وأكثر. وإياك والانتقاد ؛ فقد قالوا في باب الإشارة أرق من هذا وأغرب. وبالله التوفيق.
٢٩٩
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٢٩٨
قلت : يا أسفي، ويا ويلتي، ويا حسرتي، مما عوض فيه الألف عن ياء المتكلم. والأسف : أشد الحزن. وقيل : شدة الحسرة. و (كظيم) : إما بمعنى مفعول، كقوله :(وهو مكظوم) ؛ أي : فهو مملوء غيظاً على أولاده، ممسك له في قلبه، تقول : كظم السقاء ؛ إذا شد على ملئِه. أو بمعنى فاعل ؛ كقوله :﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران : ١٣٤] ؛ من كظم البعير جِرَّتَهُ ؛ إذا ردها في جوفه. و (تفتأ) : من النواقص اللازم للنفي، وحذفه هنا لعدم الإلباس ؛ لأنه لو كان مثبتاً لأكد باللام والنون. والحرض : المريض المشرف على الهلاك، وهو في الأصل مصدر، ولذلك لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع. والبث : أشد الحزن.


الصفحة التالية
Icon