يقول الحق جل جلاله :﴿فلما دخلوا عليه﴾ على يوسف حين رجعوا إليه مرة ثالثة، ﴿قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضُّرُّ﴾ شدة الجوع ﴿وجئنا﴾ إليك ﴿ببضاعةٍ مُّزجَاةٍ﴾ : رديئة، أو قليلة، أو ناقصة، تدفع وترد من أزجيته، دفعته. ومنه ﴿يُزْجِي سَحَاباً﴾ [النور : ٤٣] قيل : كانت دراهم زيوفاً وقيل : الصنوبر وحبة الخضراء. وقيل : سَويق المُقْل أي : الدوم. وقيل : عروضاً. ﴿فأوْف لنا الكَيْلَ﴾ : أتممه لنا، ﴿وتصدَّقْ علينا﴾ بالمسامحة، وقبول المزجاة، أو بالزيادة على ثمننا. وهذا يقتضي أن الصدقة كانت حلالاً على الأنبياء قبل نبينا ﷺ، وهو خلاف المشهور. أو برد أخينا، ﴿إن الله يجزي المتصدّقين﴾ أحسن الجزاء. والتصدق : التفضل مطلقاً، ومنه قوله ﷺ في القصر :" هذهِ صَدَقةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ عَلَيكُمْ بها، فاقبلوا صدقته ". رُوي أن يعقوب عليه السلام لما أرسلهم أرسلهم المرة الثالثة ليتحسسوا أخبار يوسف
٣٠٢
وأخيه، أرسل معهم كتاباً ونصه : بسم الله الرَّحمن الرحيم، من يعقوب الحزين إلى عزيز مصر، ولو عرفت اسمك لذكرتك في كتابي هذا، يا من أعتز بعز الله، فالله يُعِزُ من يشاء، ويُذل من يشاء، وإني أيها العزيز قد اشمأز قلبي، وقطع الحزن أوصالي، وإني ناهٍ إلى الإقراح، دائم البكاء والصياح، وإني من نطفة آباء كرام، فكيف يتولد اللصوص مني وأنا من الخصوص! وقد أخبرت أنك وضعت الصَّاع بالليل في رحل ولدي الأصغر، وإني حزين عليه كما كنتُ حزيناً على أخيه الفقيد، حزناً دائماً سرمداً شديداً. وإن كنت أفجعتني في الآخرة ؛ فإن قلبي لا محالة طائر. ثم ختمه بالسلام.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٠٢