فلما دفعوه ليوسف قرأه. وبكى بكاء شديداً، ثم دفعه لأخيه بنيامين فقرأه وبكى أيضاً. ثم نزل عن سريره، ثم دفع لهم الكتاب الذي كانوا يكتبوه لمالك بن ذعْر لما باعوه بخطوط شهادتهم، كان أخذه من مالك حين باعه. فلما قرأوه تغيرت ألوانهم وتضعضعت أركانهم، وبُهتوا، فقال لهم :﴿هلْ علمتم ما فعلتم بيوسفَ وأخيه﴾ ؛ من إيذاء يوسف، وتفريقه من أبيه، ومضرة أخيه من بعده، فإنهم كانوا يذلونه ويشتمونه، أي : هل علمتم قبحة فتبتم منه ؟ قاله نصحاً وتحريضاً لهم على التوبة. ﴿إذ أنتم جاهِلَون﴾ أي : فعلتم ذلك حين كنتم جاهلين قُبح ذلك. وإنما سماهم جاهلين ؛ لأن فعلهم حينئذٍ فعل الجهال، أو لأنهم حينئذٍ كانوا صبياناً طياشين، فعرفوه حينئذٍ على ظن، فقالوا :﴿أئنك لأنتَ يوسف﴾ ؟ بالاستفهام التقريري. وقرأ ابن كثير على الإيجاب. قيل : عرفوه بذوائبه وشمائله حين نزل إليهم وكلمهم. وقيل : تبسم فعرفوه بثناياه. وقيل : رفع التاج عن رأسه فعرفوه بِشَامةٍ كانت في رأسه بيضاء، وكانت لسارة يعقوب مثلها.
﴿قال﴾ لهم :﴿أنا يوسف وهذا أخي﴾ من أبي وأمي. ذكره تعريفاً لنفسه به، وتفخيماً لشأنه، وإدخالاً له في المنة بقوله :﴿قد مَنّ الله علينا﴾ بالسلامة والكرامة والعز. ﴿إنه من يتقِ﴾ الله ﴿ويصبرْ﴾ على بلواه، وعلى طاعته وتقواه ﴿فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾، وضع المحسنين موضع المضمر ؛ تنبيهاً على أن المحسن جمع بين الصبر والتقوى. فمن اتقى الله وصبر فهو محسن...