الإشارة : من رام الدخول إلى حضرة الكريم الغفار، فليدخل من باب الذل والانكسار. وفي الحِكَم :" ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، ولا أسرع بالمواهب مثل الذلة والافتقار ". فإذا قرعت الباب، ورمت الدخول مع الأحباب، فقل بلسان التضرع والانكسار : يا أيها العزيز الغفار مسنا الضر، وهو البعد والغفلة، وجئنا ببضاعة مزجاة ؛ عمل مدخول، وقلب معلول، فأوْفِ لنا ما أملناه من الجزاء المأمول، وتفضل علينا بالقبول والوصول، وقل : اليوم نغفر لكم ونغطي مساوءكم، ونوصلكم بما مني إليكم من الإحسان، لا بما منكم إلينا الطاعة والإذعان. هؤلاء إخوة يوسف لما أظهروا فاقتهم، واستقلوا بضاعتهم، وأحضروا شكايتهم، سمح لهم وقربهم، وكشف لهم عن وجهه الجميل، ومنحهم العطاء الجزيل، فما ظنك بالرب العظيم الجليل، الذي هو أرحم الراحمين، ومحل أمل القاصدين.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٠٢
قلت : جواب (لولا) : محذوف، أي : لولا أن تفندون لقلت إنه قريب، أو لصدقتموني.
يقول الحق جل جلاله : قال يوسف لإخوته لما عرفوه، وأزال ما بينه وبينهم من الوحشة، وقد أخذ قميصه :﴿اذهبوا بقميصي هذا﴾، رُوي أن هذا القميص كان لإبراهيم
٣٠٤
الذي لبسه حين كان في النار، وقيل : ألبسه له جبريل حين خرج من النار، وكان من ثياب الجنة، ثم كان لإسحاق ثم ليعقوب، ثم كان دفعه ليوسف، فكان عنده في حِفَاظ من قصب، وكان في عنقه في الجب، وأمره جبريل بإرساله، وقال : إنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل واحد. وبهذا تتبين الغرابة في أن وجد يعقوبُ ريحة من بُعدٍ ولو كان من قميص الجنة لما كان في ذلك غرابة، ويجده كل أحد. هـ.
قلت : وما قاله لا ينهض ؛ لأن ما ظهر من الجنة إلى دار الدنيا لا يبقى على حاله دائماً ؛ لأنه من أسرار الغيب، بل لا يجده إلا أهل الذوق من أهل القرب، كنور الحجر الأسود، وغيره مما نزل من الجنة. والله تعالى أعلم.


الصفحة التالية
Icon