ثم أن يوسف تاقت نفسه إلى الملك المخلد، فتمنى الموت، فقال :﴿رب قد آتيتني من الملك....﴾ الخ. رُوي أنه عاش بعد قوله هذا مدة، ثم ماتت زليخا، ولم يتزوج بعدها، وعاش بعدها أربعين يوماً، ثم اشتاق إلى اللقاء واللحوق بآبائه، فتوفاه الله طيَّباً طاهراً، فتخاصم أهل مصر في مدفنه، حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مَرمَرـ أي : رُخام ـ فيدفعوه في النيل بحيث يمر عليه الماء، ثم يصل إلى مصر ؛ ليكونوا شرْعاً فيه. وفي رواية : أنهم دفنوه في ضفة النيل ؛ فخصبت وجدبت الأولى، فجعلوه في صندوق، ودفنوه في النيل ؛ فاخضرت الجهتان، ثم نقله موسى عليه السلام إلى مدفن آبائه. وكان عمره : مائة وعشرين سنة، وقد تقدم ذكر أولاده الثلاثة : إفراثيم، وميشا، ورحمة امرأة أيوب، وتقدم البحث فيها، وذكر في الزهر الأنيق أنه ولد له من زليخا عشرة أولاد، فانظره. والله تعالى أعلم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٠٩
الإشارة : إذا كان العبد في زيادة من الأعمال، وفي الترقي إلى مقامات الكمال، فلا بأس أن يتمنى البقاء في هذه الدار ؛ لزيادة الزاد إلى دار القرار، وإذا كان في نقصان من الأعمال، أو خاف النقصان بعد الكمال، فلا بأس بطلب الرحيل والانتقال ؛ كما طلبه الصَّديق عليه السلام بعد الملك التام. وكما فعل عمر رضي الله عنه حين انتشرت رعيته، وخاف التقصير في سيرته. وقد تقدم في سورة البقرة تفصيل ذلك، ولقد أحسن الشاعر في التحذير، من الاغترار بزخرف هذه الدار، فقال :
هُو الحِمَامُ فلا تُبْعِدْ زِيَارَتَه
ولا تَقُلْ : لَيْتَني منه على حَذَرِ
يَا وَيحْ مَن غَرَّه دَهْرٌ فَسُرَّ به
لَم يَخْلُص الصَّفْوُ إلا شِيبَ بالكَدَرِ
انْظُر لِمَنْ باد تنْظُرْ آية عَجَباً
وعِبْرَةً لأُولِي الأبصَارِ والبَصَرِ
بَادُوا فعَادُوا حَديثاً، إنَّ ذَا عَجَبٌ
ما أَوْضَحَ الرُّشْدَ لولا غَفلَةُ النَّظَرِ