ومنها قضية أبي الخير العسقلاني رضي الله عنه قال : اشتهيتُ السمك سنين، ثم ظهر له من وجه حلال، فلما مد يده ليأكل، أخذت شوكة من عظامه إصبعَه، فذهبت في ذلك، فقال : إلهي هذا لمن مد يده لشهوة من حلال، فكيف بمن مد يده لشهوة من حرام. ومنها : قضية إبراهيم الخواص رضي الله عنه قال : كنت جائعًا في الطريق، فوافيت الرِّي - اسم بلدة - فخطر ببالي أن لي بها معارف، فإذا دخلتها أضافوني وأطعموني، فلمَّا دخلت البلد رأيت فيها مُنكرًا احتجت أن آمر فيه بالمعروف، فأخذوني وضربوني، فقلتُ في نفسي : من أين أصابني هذا، على جوعي ؟ فنُوديت في سري : إنك سكنت إلى معارفك بقلبك، ولم تسكن إلى خالقك.
وأمثال هذا كثير بأهل الخصوصية، يُؤدبون على أقل شيء من سوء الأدب ؛ لشدة قربهم، ثم يُردون إلى مقامهم. ومن هذا النوع قصة سيدنا يونس عليه السلام ؛ حيث خرج من غير إذن خاص، فأدَّبه، ثم رده إلى النبوة والرسالة، وقد كنتُ سمعت من بعض الأشياخ أن أيوب عليه السلام إنما أصيب في ماله، لأنه كان بجوار ماله كافر، فكان يداريه ؛ لأجل ماله، فأصيب فيه وفي بدنه ؛ تأديبًا وتكميلاً له. و الله تعالى أعلم.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٣٧٥
يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿و﴾ اذكر خبر ﴿زكريا إِذ نادى ربَّهُ﴾ في طلب الولد، وقال :﴿ربِّ لا تذرني فَرْدًا﴾ ؛ وحيدًا بلا ولد يرثني، ثم ردّ أمره إليه ؛ مستسلمًا، فقال :﴿وأنت خيرُ الوارثين﴾، فحسبي أنت، وإِنْ لم ترزقني وارثًا فلا أبالي ؛ فإنك خير وارث،
٣٧٧


الصفحة التالية
Icon