﴿فاستجبنا له﴾ دعاءه، ﴿ووهبنا له يحيى﴾ ولدًا ﴿وأصلحنا له زوجه﴾ أي : أصلحناها للولادة بعد عُقمها، أو أصلحناها للمعاشرة بتحسين خلْقها. وكانت قبل سيئة الخلق، ﴿إنهم﴾ أي : ما تقدم من الأنبياء، ﴿كانوا يُسارعون في الخيرات﴾ أي : إنما استحقوا الإجابة إلى مطالبهم، وأسعفناهم فيما أمَّلوا ؛ لمبادرتهم أبواب الخير، ومسارعتهم إلى تحصيلها، مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير كله، وهو السر في إتيان :﴿في﴾، دون " إلى "، المشعرة بخلاف المقصود ؛ من كونهم خارجين عن أصل الخيرات، متوجهين إليها، كما في قوله تعالى :﴿وَسَارِعُوااْ إِلَىا مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عِمرَان : ١٣٣].
﴿و﴾ كانوا ﴿يدعوننا رغَبًا ورَهَبًا﴾ ؛ طمعًا وخوفًا، وهما مصدران في موضع الحال، أو المفعول له، أي : راغبين في الثواب أو الإجابة، وراهبين من العقاب أو الخيبة، أو للرغبة والرهبة، ﴿وكانوا لنا خاشعين﴾ : متواضعين خائفين، أي : إنما نالوا هذه المراتب العلية، واستحقوا هذه الخصوصية ؛ لاتصافهم بهذه الأوصاف الحميدة. والله تعالى أعلم.
الإشارة : الغالب في وراثة الخصوصية الحقيقية أن تكون لغير ورثة النسب، وأما الخصوصية المجازية، التي هي مقام الصلاح أو العلم، فقد تكون لورثة النسب، وتكون لغيرهم. والخصوصية الحقيقية هي مقام الفناء والبقاء، والتأهل للتربية النبوية، ولا بأس بطلب وارث هذه الخصوصية، لئلا ينقطع النفع بها. وقد قيل، في قول الشيخ ابن مشيش رضي الله عنه : اسمع ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا، إنه أشار إلى طلب الوارث الروحاني. والله تعالى أعلم.