يقول الحقّ جلّ جلاله :﴿يا أيها الناس ضُرب مثلٌ﴾ أي : يُبين لكم حالٌ مستغربة، أو قصة بديعة رائقة حقيقة بأن تسمى مَثَلاً، وتنشر في الأمصار والأعصار، ﴿فاستمعوا له﴾ ؛ لضرب هذا المثل ؛ استماع تدبر وتفكر، وهو :﴿إِنَّ الذين تدْعُون﴾، وعن يعقوب : بياء الغيبة، أي : إن الذين تدعونهم آلهة وتعبدونهم ﴿من دون الله لن يخلقُوا ذُبابًا﴾ أي : لن يقدروا على خلقه أبدًا، مع صغره وحقارته. و ﴿لن﴾ : لتأبيد النفي، فتدل على استحالته، ﴿ولو اجتمعوا له﴾ أي : الذباب. ومحله : نصب على الحال، كأنه قال :
٤٣٤
لا يقدرون على خلقه مجتمعين له، متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين ؟ ! وهذا أبلغ ما أنزل في تجهيل قريش، حيث وَصَفوا بالألوهية - التي من شأنها الاقتدار على جميع المقدورات، والإحاطة بكل المعلومات - صُورًا وتماثيل، يستحيل منها أن تقدر على أضعف ما خلقه الله تعالى وأذله، ولو اجتمعوا له.
﴿وإِن يسلبْهُمُ الذبابُ شيئًا﴾ من الطيب وغيره، ﴿لا يستنقذوه منه﴾ أي : هذا الخلق الأرذل الأضعف، لو اختطف منهم شيئًا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه، لم يقدروا وعن ابن عباس رضي الله عنه : أنهم كانوا يطلُونها بالعسل والطيب، ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذبابُ من الكُوِي فيأكله، فتعجز الأصنام عن أخذه. ﴿ضَعُفَ الطالبُ﴾ : الصنمُ بطلب ما سُلب منه، ﴿والمطلوبُ﴾ : الذباب بما سَلَب. وهذا كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف، ولو حققت لوجدت الطالب أضعفَ وأضعفَ ؛ فإنَّ الذباب حيوان والصنم جماد.