ثم رتَّبهم مراتب، فقال :﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ بالتقصير في العمل به، وهو المرجأ لأمر الله، ﴿ومنهم مقتصدٌ﴾ وهو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ﴿ومنهم سابق بالخيرات﴾ بأن جمع بين علمه والعمل به، وإرشاد العباد إلى اتباعه. وهذا أوفق بالحديث، فقد رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر ـ بعد قراءة هذه الآية : قال رسول الله ﷺ :" سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له " وعنه ﷺ أنه قال :" السابق يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً ثم يدخل الجنة، والظالمُ يُحبس، حتى يظن أنه لن ينجو، ثم تناله الرحمة، فيدخل الجنة " رواه أبو الدرداء. وقال ابن عباس رضي الله عنه : السابق، المخلص، والمقتصد : المرائي، والظالم : الكافر النعمة غير الجاحد له، لأنه حَكَمَ للثلاثة بدخول الجنة. وقال الربيع بن أنس : الظالم : صاحب الكبائر، والمقتصد : صاحب الصغائر، والسابق : المجتنب لهما. وقال الحسن : الظالم : مَن رجحت سيئاته، والسابق : مَن رجحت حسناته، والمقتصد :
١٢٣
مَن استوت حسناته وسيئاته. وسئل أبو يوسف عن هذه الآية فقال : كلهم مؤمنون. وأما صفة الكفار فبعد هذا، وهو قوله :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر : ٣٦]. وأما الطبقات الثلاث فهم من الذين اصطفى من عباده ؛ لأنه قال : فمنهم، ومنهم، ومنهم، والكل راجع إلى قوله :﴿الذين اصطفينا من عبادنا﴾ فهم أهلُ الإيمان، وعليه الجمهور.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ١٢٣


الصفحة التالية
Icon