" صفحة رقم ٣٠٤ "
الأظهر عندي أن ) كذلك ( ابتداء كلام يتنزل منزلة الإِخبار بالنتيجة عقب ذكر الدليل. والمعنى : كذلك أمر الاختلاف في ظواهر الأشياء المشاهد في اختلاف ألوانها وهو توطئة لما يرد بعده من تفصيل الاستنتاج بقوله :( إنما يخشى الله من عباده ( أي إنما يخشى الله من البشر المختلفة ألوانهم العلماء منهم، فجملة ) إنما يخشى الله من عباده العلماء ( مستأنفة عن جملة ) كذلك ). وإذا علم ذلك دل بالالتزام على أن غير العلماء لا تتأتّى منهم خشية الله فدلّ على أن البشر في أحوال قلوبهم ومداركهم مختلفون. وهذا مثل قوله :( إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب ( ( فاطر : ١٨ ).
وأوثر هذا الأسلوب في الدلالة تخلصاً للتنويه بأهل العلم والإِيمان لينتقل إلى تفصيل ذلك بقوله :( إن الذين يتلون كتاب الله ( ( فاطر : ٢٩ ) الآية...
فقوله :( كذلك ( خبر لمبتدأ محذوف دل عليه المقام. والتقدير : كذلك الاختلاف، أو كذلك الأمر على نحو قوله تعالى في سورة الكهف :( كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً وهو من فصل الخطاب كما علمت هنالك ولذلك يحسن الوقف على ما قبله ويستأنف ما بعده.
وأما جعل كذلك ( من توابع الكلام السابق فلا يناسب نظم القرآن لضعفه.
والقصر المستفاد من ) إنما ( قصر إضافي، أي لا يخشاه الجهال، وهم أهل الشرك فإن من أخص أوصافهم أنهم أهل الجاهلية، أي عدم العلم ؛ فالمؤمنون يومئذٍ هم العلماء، والمشركون جاهلون نفيت عنهم خشية الله. ثم إن العلماء في مراتب الخشية متفاوتون في الدرجات تفاوتاً كثيراً. وتقديم مفعول ) يخشى ( على فاعله لأن المحصور فيهم خشية الله هم العلماء فوجب تأخيره على سنة تأخير المحصور فيه.
والمراد بالعلماء : العلماء بالله وبالشريعة، وعلى حسب مقدار العلم في ذلك تقْوَى الخشية ؛ فأما العلماء بعلوم لا تتعلق بمعرفة الله وثوابه وعقابه معرفة على


الصفحة التالية
Icon