" صفحة رقم ٢٩٣ "
وهم يخوضون أبداً. فأنزل الله عزّ وجلّ ) وما على الذين يتّقون من حسابهم من شيء ( يعني إذا قمتم عنهم فما عليكم تبعةُ ما يقولون في حال مجانبتكم إيَّاهم إذ ليس عليكم جرى ذلك وما عليهم أن يمنعوهم.
وقوله :( وما على الذين يتّقون من حسابهم من شيء ( تقدّم تفسير نظيره آنفاً، وهو قوله :( ما عليك من حسابهم من شيء ( ( الأنعام : ٦٨ ).
ثمّ الحساب هنا مصدر مضاف إلى ضمير الذين يخوضون في الآيات. فهذا المصدر بمنزلة الفعل المبني للمجهول فيحتمل أن يكون فاعله ) الذين يتَّقون ( على وزان ما تقدّم في قوله :( ما عليك من حسابهم من شيء ( ( الأنعام : ٥٢ )، أي ما على الذين يتَّقون أن يحاسِبُوا الخائضين، أي أن يمنعوهم من الخوض إذ لم يكلّفهم الله بذلك لأنَّهم لا يستطيعون زجر المشركين، ويحتمل أن يكون فاعله الله تعالى كقوله :( ثمّ إنّ علينا حسابهم ( ( الغاشية : ٢٦ ) أي ما على الذين يتَّقون تبعة حساب المشركين، أي ما عليهم نصيب من إثم ذلك الخوض إذا سمعوه.
وقوله :( ولكن ذكرى ( عطفت الواو الاستدراكَ على النفي، أي ما عليهم شيء من حسابهم ولكن عليهم الذكرى. والذكرى اسم مصدر ذكَّر بالتشديد بمعنى وعظ، كقوله تعالى :( تبصرة وذكرى لكلّ عبد منيب ( ( ق : ٨ )، أي عليهم إن سمعُوهم يستهزئون أن يعظُوهم ويُخوّفوهم غضب الله فيجوز أن يكون ) ذكرى ( منصوباً على المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله. والتقدير : ولكن يُذكّرونهم ذكرى. ويجوز أن يكون ذكرى مرفوعاً على الابتداء، والتقدير : ولكن عليهم ذكرى.
وضمير ) لعلَّهم يتَّقون ( عائد إلى ما عاد إليه ضمير ) حسابهم ( أي لعلّ الذين يخوضون في الآيات يتَّقون، أي يتركون الخوض. وعلى هذا فالتقوى مستعملة في معناها اللغوي دون الشرعي. ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى ) الذين يتَّقون (، أي ولكن عليهم الذكرى لعلَّهم يتَّقون بتحصيل واجب النهي عن المنكر أو لعلَّهم يستمرّون على تقواهم.