عند عدم المسلمين كلهم يقولون ﴿مِنْكُمْ﴾ من المؤمنين ومعنى ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ يعني الكفار. قال بعضهم : وذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا بالمدينة ؛ وكانوا يسافرون بالتجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة والآية محكمة على مذهب أبي موسى وشريح وغيرهما.
القول الثاني : أن قوله سبحانه :﴿أوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ منسوخ ؛ هذا قول زيد بن أسلم والنخعي ومالك ؛ والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء ؛ إلا أن أبا حنيفة خالفهم فقال : تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض ؛ ولا تجوز على المسلمين واحتجوا بقوله تعالى :﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وقوله :﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ؛ فهؤلاء زعموا أن آية الدين من آخر ما نزل ؛ وأن فيها ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فهو ناسخ لذلك ؛ ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة ؛ فجازت شهادة أهله الكتاب ؛ وهو اليوم طبق الأرض فسقطت شهادة الكفار ؛ وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز ؛ والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم.
قلت : ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبه ؛ وأن ذلك جائز في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم ؛ وأما مع وجود مسلم فلا ؛ ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل ؛ وقد قال بالأول ثلاثة من الصحابة وليس ذلك في غيره ؛ ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم. ويقوي هذا أن سورة ﴿المائدة﴾ من آخر القرآن نزولا حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما : إنه لا منسوخ فيها. وما ادعوه من النسخ لا يصح فإن النسخ لا بد فيه من إثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخي الناسخ ؛ فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخا ؛ فإنه في قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة ؛ ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات ؛ ولأنه ربما كان الكافر ثقة عند المسلم يرتضيه عند الضرورة ؛ فليس فيما قالوه ناسخ.
القول الثالث : أن الآية لا نسخ فيها ؛ قال الزهري والحسن وعكرمة، ويكون معنى قوله :﴿مِنْكُمْ﴾ أي من عشيرتكم وقرابتكم ؛ لأنهم أحفظ وأضبط وأبعد عن النسيان