صفحة رقم ٢٨٤
وهو أن يمن عليه بعطائه فيقول : قد أعطيتك كذا وكذا فيعدد نعمه عليه فيكدرها عليه والأذى هو أن يعيره فيقول : كم تسأل وأنت فقير أبداً وقد بليت بك وأراحني الله منك وأمثال ذلك.
والمن في اللغة الإنعام، والمنة النعمة الثقيلة يقال : من فلان على فلان إذا أثقله بالنعمة ويكون ذلك بالقول : أيضاً ومنه قول الشاعر :
فمني علينا بالسلام فإنما
كلامك ياقوت ودر منظم
ومن المن بالقول ما هو مستقبح بين الناس، مثل أن يمن على الإنسان بما أعطاه، قال عبدالرحمن بن يزيد كان أبي يقول إذا أعطيت رجلاً شيئاً ورأيت أن سلامك يثقل عليه فلا تسلم عليه والعرب تمدح بترك المن وكتم النعمة وتذم على إظهارها والمن بها قال قائلهم في المدح بترك المن :
زاد معروفك عندي عظماً
أنه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته
وهو في العالم مشهور كبير
وقال قائلهم يذم المنان بالعطاء :
أتيت قليلاً ثم أسرعت منة فنيلك ممنون لذاك قليل
وأما الأذى فهو ما يصل إلى الإنسان من ضرر بقول أو فعل.
إذا عرفت هذا فنقول المن هو إظهار المعروف إلى الناس، والمن عليهم به والأذى هو أن يشكو منهم بسبب ما أعطاهم فحرم الله تعالى على عباده المن بالمعروف والأذى فيه وذم فاعله.
فإن قلت : قد وصف الله تعالى نفسه بالمنان فما لفرق.
قلت المنان في صفة الله تعالى معناه المتفضل فمن الله إفضال على عباده وإحسانه إليهم فجميع ما هم فيه منة منه سبحانه وتعالى ومن العباد تعيير وتكدير فظهر الفرق بينهما.
وقوله تعالى :( لهم أجرهم ( يعني ثوابهم ) عند ربهم ( يعني في الآخرة ) ولا خوف عليهم ( يعني يوم القيامة ) ولا هم يحزنون ( يعني على ما خلفوا من الدنيا.
البقرة :( ٢٦٣ - ٢٦٤ ) قول معروف ومغفرة...
" قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين " ( ) قول معروف ( أي كلام حسن ورد جميل على الفقر السائل وقيل : عدة حسنة توعده بها، وقيل : دعاء صالح تدعو له بظهر الغيب ) مغفرة ( أي تستر عليه خلته وفقره ولا تهتك ستره وقيل هو أن يتجاوز عن الفقير إذا استطال عليه حالة رده ) خير من صدقة ( يعني هذا القول المعروف والمغفرة خير من الصدقة التي تدفعها إلى الفقير ) يتبعها أذى ( وهو أن يعطي الفقير الصدقة ويمن عليه بها ويعيره بقول أو يؤذيه بفعل ) والله غني ( أي مستغن عن صدقة العباد والغني الكامل الغني الذي لا يحتاج إلى أحد وليس كذلك إلاّ الله تعالى ) حليم ( يعني أنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة على من يمن على عباده ويؤذي بصدقته.
قوله عز وجل :( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم ( يعني أجور صدقاتكم ) بالمن والأذى ( يعني على السائل الفقير، وقال ابن عباس بالمن على الله تعالى والأذى لصاحبها ثم ضرب الله تعالى لذلك مثلاً فقال تعالى ) كالذي ( أي كإبطال الذي ) ينفق ماله رئاء الناس ( أي مراءاة لهم وسمعة ليروا نفقته ويقولوا : إنه سخي كريم ) ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ( يعني أن الرياء يبطل الصدقة ولا تكون النفقة مع الرياء من فعل المؤمنين لكن من فعل المنافقين لأن الكافر معلن