صفحة رقم ٢٩٠
فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته، وقلته : وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصا، فسقط البسر أو التمر فيأكل وكان ناس من لا يرغب في الخير، يأتي بالقنوفية الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه فأنزل الله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلاّ أن تغمضوا فيه ( قال : لو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلاّ على إغماض وحياء قال : فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده أخرجه الترمذي.
وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب وقيل كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم، ويعزلون الجيد لأنفسهم فانزل الله تعالى :( ولا تيمموا الخبيث ( يعني الردئ منه تنفقون يعني تتصدقون ) ولستم بآخذيه ( يعني ذلك الشيء الخبيث الردء ) إلاّ أن تغمضوا فيه ( الإغماض في اللغة غض البصر، وإطباق الجفن والمراد به هنا التجويز والمساهلة، وذلك أن الإنسان إذا رأى ما يكره أنه قد أغمض لئلا يرى ذلك قال ابن عباس : معناه لو أن لأحدكم على رجل حقاًَ فجاءه بهذا لم يأخذه إلاّ وهو يرى أنه قد أغمض عن حقه وتركه وقال البراء : هو لو أهدى ذلك ما أخذتموه إلاّ على استحياء من صاحبه وغيظ فكيف ترضون إلى ما لا ترضون لأنفسكم إذا كان المال كله جيداً فليس له إعطاء الرديء لأن أهل السهمان شركاء له فيما عنده، وإن كان كله رديئاً فلا بأس بإعطاء الردئ ) واعلموا أن الله غني ( يعني عن صدقاتكم لم يأمركم بالتصدق لعوز واحتياج إليها ) حميد ( أي محمود في أفعاله، وقيل : حميد بمعنى حامد أي أجركم على ما تفعلونه من الخير.
البقرة :( ٢٦٨ - ٢٦٩ ) الشيطان يعدكم الفقر...
" الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب " ( قوله عز وجل :( الشيطان يعدكم الفقر ( أي يخوفكم الفقر يقال : ووعدته شراً وإذا لم يذكر الخير والشر يقال : في الخير وعدته وفي الشر أوعدته والفقر سوء الحال، وقلة ذات اليد وأصله من كسر فقار الظهر ومعنى الآية أن الشيطان يخوفكم بالفقر، ويقول للرجل أمسك عليك مالك فإنك إذا تصدقت افتقرت ) ويأمركم بالفحشاء ( يعني يوسوس لكم ويحسن لكم، البخل ومنع الزكاة والصدقة قال الكلبي كل فحشاء في القرآن فهي الزنا إلاّ هذا الموضع وفي هذه الآية لطيفة وفي أن الشيطان يخوف الرجل أولاً بالفقر ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء، وهي البخل وذلك لأن البخيل على صفة مذمومة عند كل أحد فلا يستطيع الشيطان أن يحسن له البخل إلاّ بتلك المقدمة وهي التخويف من الفقر، فلهذا قال تعالى :( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه ( يعني مغفرة لذنوبكم وستراً لكم ) وفضلاً ( يعني رزقاً وخلفاً.
فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة والفضل إشارة إلى منافع الدنيا، وما يحصل من الرزق والخلف.
عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ( ﷺ ) :( إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر، وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله تعالى فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ ) الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ( ) أخرجه الترمذي.
وقال هذا حديث حسن