صفحة رقم ٣١٤
قول حسن لأن الوسع ما دون الطاقة وقيل معناه أن الله تعالى لا يكلف نسا إلا وسعها فلا يتعبدها بما لا تطيق ( لها ما كسبت ) يعني للنفس ما عملت من الخير فلها أجره وثوابه.
( وعليها ما اكتسبت ) يعني من الشر عليها وزره وعقابه وقبل في معنى الآية إن الله تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره.
قوله عز وجل ( ربنا لا تؤاخذنا ) وهذا تعليم من الله تعالى عباده المؤمنين كيف يدعونه ومعناه قولوا ربنا لا تؤاخذنا أي لا تعاقبنا وإنما جاء بلفظ المفاعلة وهو فعل واحد لأن المسئ قد أمكن من نفسه وطرق السبيل ' ايها بفعله فكأنه أعدى عليه من يعاقبه بذنبه ويأخذه به ( إن نسينا أو أخطانا ) فيه وجهان أحدهما أنه من النسيان الذي هو السهو وهو ضد التذكر قيل كانوا بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو أخطئوا عجلت لهم العقوبة فيحرم عليهم شيء مما كلان حلالا لهم من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب فأمر الله المؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك.
فإن قلت أليس فعل الناسي في محل العفو بدليل قوله ( ﷺ ) ' رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ' فإذا كالن النسيان في محل العفو قطعا فما معنى طلب العفو عنه بالدعاء ؟ قلت الجواب عنه منو وجوه : الأول أن النسيان على ضربين : أما الأول فهو ما كان من العبد على وجه التضييع والتفريط وهو ترك ما أمر الله بفعله كمن رأى على ثوبه دما فأخر إزالته عنه ثم نسى فصلى فيه وهو على ثوبه فيعد مقصر إذ كان يلزمه المبادرة إلى إزالته أما إذا لم يره فيعذر فيه وكذا لو ترك ما أمر بفعله على وجه السهو أو ارتكب منهيا عنه من غير قصد إليه كأكل آدم عليه السلام من الشجرة التي نهي عنها على وجه النسيان من غير عزم على المخالفة كما قال تعالى ' ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ' فمثل هذا يجب أن يسألأ الله تعالى أن يعفو له عن ذلك وأما الضرب الثاني فهو كمن ترك الصلاة ثم نسيها أو ترك دراسة القرآن بعد أن حفظه حتى نسيه فهذا لا يعذر بنسيانه وسهوه لأنه فرط فثبت أن النسيان على قسمين : وإذا كان صح طلب العفو والغفران عن النسيان.
الوجه الثاني من الجواب أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا من المتقين لله حق حق تقاته فإن صدر منهم مالا ما لا ينبغي فلا يكون إلا على سبيل السهو والنسيان فطلبهم العفو والغفران.
على سبيل السهو والنسيان إنما هو لشدة خوفهم وتقواهم والوجه الثالث أن المقصود من هذا الدعاء هو التضرع والتذلل لله تعالى.
وأما الخطأ في قوله أو أخطأنا فعلى وجهين أيضا : أحدهما أن يأتي العبد مان هي عنه بقصد وإرادة فذلك خطأ منه وهو به مأخوذ فيحسن طلب العفو والغفران لذلك الفعل الذي ارتكبه.
الوجه الثاني : أن يكون الخطأ على سبيل الجهل والظن لأن له فعله كمن ظن أن وقت الصلاة لم يدخل وهو في يوم غيم فأخرها حتى خرج وقتها فهذا من الخطأ الموضوع عن العبد لكن طلب العفو والغفران لسبب تقصيره وقوله ( ربنا ولا تحمل علينا إصرا ) يعني عهدا ثقيلا وميثاقا غليظا فلا تستطيع القيام به فتعذبنا بنقضه وتركه ( كما حملته على الذين من قبلنا ) يعني اليهود فلم يقوموا به فعذبتهم عليه،