صفحة رقم ٤٣٩
بمشاورتهم تطييباً لقلوبهم فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم فإن سادات العرب كانوا إذا لم يشاوروا في الأمور شق ذلك عليهم.
وقال الحسن قد علم الله تعالى أن ما به إلى مشاورتهم حاجة ولكن أراد أن يستن به من بعده من أمته، وقيل إنما أمر بمشاورتهم ليعلم مقادير عقولهم وأفهامهم لا ليستفيد منهم رأياً وروى البغوي بسنده عن عائشة أنها قالت ما رأيت رجلاً أكثر استشارة للرجال من رسول الله ( ﷺ ) اتفق العلماء على أن كل ما نزل فيه وحي من الله تعالى لم يجز لرسول الله ( ﷺ ).
أن يشاور فيه الأمة وإنما أمر أن يشاور فيما سوى ذلك من أمر الدنيا ومصالح الحرب ونحو ذلك وقيل أن يشاورهم في أمر الدين والدنيا فيما لم ينزل عليه فيه شيء لأن النبي ( ﷺ ) شاورهم في أسارى بدر وهو من أمر الدين قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه والتدبر قبل العمل يؤمنك من الندم.
وقال بعض الحكماء ما استنبط الصواب بمثل المشاورة ومن فوائد المشاورة أنه قد يعزم الإنسان على أمر فيشاور فيه فيتبين له الصواب في قول غيره فيعلم بذلك عجز نفسه عن الأحاطة بفنون المصالح ومنها أنه إذا لم ينجح أمره علم أن امتناع النجاح محض قدر فلم يلم نفسه وقال بعضهم في مدح المشاورة :
وشاور إذا شاورت كل مهذب
لبيب أخي حزم لترشد في الأمر
ولا تك ممن يستبد برأيه
فتعجز أو لا تستريح من الفكر
ألم تر أن الله قال لعبده
وشاورهم في الأمر حتماً بلا نكر
قوله تعالى :( فإذا عزمت ( يعني على المشاورة ) فتوكل على الله ( أي فاستعن بالله في أمورك كلها وثق به ولا تعتمد إلا عليه فإنه ولي الإعانة والعصمة والتسديد والمقصود أن لا يكون للعبد اعتماد على شيء إلا على الله تعالى في جميع أموره وأن المشاورة لا تنافي التوكل ) إن الله يحب المتوكلين ( يعني المتوكلين عليه في جميع أمورهم.
آل عمران :( ١٦٠ - ١٦١ ) إن ينصركم الله...
" إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " ( قوله عز وجل :( إن ينصركم الله ( يعني إن يعنكم الله بنصره ويمنعكم من عدوكم كما فعل يوم بدر ) فلا غالب لكم ( يعني من الناس لأن الله تعالى هو المتولي نصركم ) وإن يخذلكم ( كما فعل يوم أحد فلم ينصركم ووكلكم إلى أنفسكم لمخالفتكم أمره وأمر رسوله ( ﷺ ) ) فمن ذا الذي ينصركم من بعده ( أي من بعد خذلانه ) وعلى الله فليتوكل المؤمنون ( لا على غيره لأن الأمر كله لله ولا راد لقضائه ولا دافع لحكمه فيجب أن يتوكل العبد في كل الأمور على الله تعالى لا على غيره.
وقيل التوكل أن لا تعصي الله من أجل رزقك ولا تطلب لنفسك ناصراً غيره ولا لعملك شاهداً سواه ( م ) عن عمران بن حصين قال : قال رسول الله ( ﷺ ) :( يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب قالوا ومن هم يا رسول الله صلى الله قال هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال : يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال أنت منهم فقام آخر فقال يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة ) عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله ( ﷺ ) :( لو أنكم تتوكلون على الله حقّ تولكه لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً


الصفحة التالية
Icon