صفحة رقم ٤٦٨
لا يخزي.
قلت قد ذكر العلماء في الجواب وجوهاً أحدها ما روي عن أنس في تفسير قوله تعالى إنك من تدخل النار فقد أخزيته قال من يخلده وروي نحوه عن سعيد بن المسيب قال هي خاصة لمن لا يخرج منها وهذا الجواب إنما يصح على مذهب أهل السنة الذين يرون إخراج الموحدين من النار أما على مذهب المعتزلة فلا يصح هذا الجواب لأن مذهبهم أن الفاسق مخلد في النار فهو داخل في قوله تعالى فقد أخزيته، الوجه الثاني في الجواب ان المدخل في النار مخزي في حال دخوله وإن كانت عاقبته أن يخرج منها ومعنى الاية على هذا فقد أخزيته بدخوله فيها وتعذيبه بها ويدل على صحة هذا المعنى ما روي عن عمرو بن دينار قال قدم علينا جابر بن عبدالله في عمرة فانتهيت إليه أنا وعطاء فسألته عنه هذه الآية :( ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ( فقال وما أخزاه حين أحرقه بالنار إن دون ذا لخزيا.
وهذا الوجه هو اختيار ابن جرير الطبري لأن من أدخل النار فقد أخزي بدخوله إياها وإن خرج منها وذلك الخزي هو هتك المخزي وفضيحته.
وقال ابن الأنباري حمل الآية على العموم أولى من نقلها إلى الخصوص إذ لا دليل عليه، الوجه الثالث في الجواب ما قاله أهل المعاني وهو أن الخزي يحتمل معاني منها الإهانة والإهلاك الإبعاد.
وهذا للكفار ومنها الإخجال يقال خزي خزاية إذا استحى وإذا عمل عملاً يستحيي منه ويخجل فيكون خزي المؤمن الذي يدخل النار الحياء من المؤمنين بدخوله النار إلى أن يخرج منها.
وخزي الكافر والهلاك بالخلود في النار وحاصل هذا الجواب أن لفظ الإخزاء مشترك بين التخجيل والإهلاك.
واللفظ المشترك لا يمكن حمله في طرفي النفي الإثبات على معنييه جميعاً وهذا يسقط الاستدلال، الوجه الرابع في الجواب وهو الذي اختاره الفخر الرازي وصححه أن قوله تعالى :( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ( لا يقتضي نفي الإخزاء مطلقاً وإنما يقتضي أن لا يحصل الإخزاء حال ما يكونون مع النبي وهذا النفي لا يناقضه إثبات الإخزاء في الجملة لاحتمال أن يحصل ذلك الإثبات في وقت آخر والله أعلم وقوله تعالى ) وما للظالمين ( يعني المشركين الذين وضعوا العبادة في غير موضعها ) من أنصار ( يعني ينصرونهم يوم القيامة ويمنعونهم من العذاب.
آل عمران :( ١٩٣ - ١٩٥ ) ربنا إننا سمعنا...
" ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب " ( قوله عز وجل :( ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان ( قال ابن وأكثر المفسرين المنادي هو محمد ( ﷺ ) ويدل على صحة هذا قوله تعالى :( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ( " وقوله :( وداعياً إلى الله بإذنه ( " وقال محمد بن كعب القرظي المنادي هو القرآن قال إذ ليس كل أحد لقي النبي ( ﷺ ) ووجه هذا لقول أن كل أحد يسمع القرآن ويفهمه فإذا وفقه الله تعالى للإيمان به فقد فاز به.
وذلك لأن القرآن مشتمل على الرشد والهدى وأنواع الدلائل الدالة على الوحدانية فصار كالداعي إليها واللام في للإيمان بمعنى إلى يعني ينادي إلى الإيمان ) أن آمنوا بربكم فآمنا ( أي فصدقنا ) ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ( أي كبائر ذنوبنا ) وكفر عنا سيئاتنا ( أي صغائر ذنوبنا وقيل أن الغفر هو الستر والتغطية وكذلك التفكير فهماً بمعنى واحد وإنما ذكرهما للتأكيد لأن الإلحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب إليه وقيل معناه اغفر لنا ما تقدم من ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا في المستقبل وقيل يريد بالغفران ما يزول بالتوبة من الذنوب وبالتفكير ما يكفر بالطاعات من الذنوب ) وتوفنا مع الأبرار ( يعني في جملتهم وزمرتهم والأبرار هم الأنبياء والصالحون والمعنى توفنا على مثل أعمالهم حتى نكون في درجتهم يوم القيامة وقيل توفنا في جملة أتباعهم وأشياعهم ) ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ( يعني على ألسنة رسلك وقيل معناه وآتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك.
فإن قلت كيف سألوا الله إنجاز ما وعد الله


الصفحة التالية
Icon