صفحة رقم ١٢٠
يحذرهم أن يصنعوا مثل صنيعهم، فيصيبهم ما أصابهم من الجوع والخوف، ويشهد لصحة ما قلت إن الخوف المذكور في هذه الآية في قوله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف هو البعوث والسرايا التي كان النبي ( ﷺ ) يبعثها في قول جميع المفسرين لأن النبي ( ﷺ ) لم يؤمر بالقتال، وهو بمكة وإنما أُمر بالقتال لما هاجر إلى المدينة، فكان يبعث البعوث والسرايا إلى حول مكة يخوّفهم بذلك، وهو بالمدينة والله أعلم بمراده، وأما تفسير قوله تعالى : وضرب الله مثلاً قرية يعني مكة ) كانت آمنة ( يعني ذات أمن لا يهاج أهلها ولا يغار عليهم ) مطمئنة ( يعنى قارة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها للانتجاع كما كان يحتاج إليه سائر العرب ) يأتيها رزقها رغداً ( يعني واسعاً ) من كل مكان ( يعني يحمل إليها الرزق والميرة من البر والبحر.
نظيره قوله سبحانه وتعالى تجبى إليه ثمرات كل شيء وذلك بدعوة إبراهيم ( ﷺ ) وهو قوله ) وارزق أهله من الثمرات ( ) فكفرت ( يعني هذه القرية والمراد أهلها ) بأنعم الله ( جمع نعمة والمراد بها سائر النعم التي أنعم الله بها على أهل مكة فلما قابلوا نعم الله التي أنعم بها عليهم بالجحود والكفر، لا جرم أن الله تعالى انتقم منهم فقال تعالى ) فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ( وذلك أن الله سبحانه وتعالى ابتلاهم بالجوع سبع سنين، فقطع عنهم المطر وقطعت عنهم العرب الميرة بأمر رسول الله ( ﷺ ) حتى جهدوا فأكلوا العظام المحرقة والجيف الكلاب والميتة والعهن، وهو الوبر يعالج بالدم ويخلط به حتى يؤكل، حتى كان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول الله ( ﷺ ) في ذلك، وقالوا : ما هذا هبك عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان، فأذن رسول الله ( ﷺ ) في حمل الطعام إليهم، وهم بعد مشركون.
والخوف يعني خوف بعوث النبي ( ﷺ ) وسراياه التي كان يبعثها للإغارة فكانت تطيف بهم وتغير على من حولهم من العرب فكان أهل مكة يخافونهم.
فإن قلت : الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما، والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار فما وجه صحة أيقاعها عليه، وهو أن اللباس لايذاق بل يلبس، فيقال كساهم الله لباس الجوع أو يقال فأذاقهم الله طعم الجوع قلت : قال صاحب الكشاف : أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد، وما يمس الناس منها فيقولون ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه العذاب شبه ما يدرك من أثر الضرر، والألم بما يدرك من طعم المر البشع وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشي الأنسان، والتبليس به من بعض الحوادث وأما ايقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قيل فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف، ثم ذكر بعده من علم المعاني والبيان ما يشهد لصحة ما قال.
وقال الإمام فخر الدين الرازي : جوابه من وجوه، الأول، أن الأحوال التي حصلت لهم عند الجوع نوعان : أحدهما أن المذوق هو الطعام فلما فقدوا الطعام صاروا كأنهم يذوقون الجوع.
والثاني، أن ذلك الجوع كان شديداً كاملاً فصار كأنه أحاط بهم من كل الجهات فأشبه اللباس، والحاصل أنه حصل لهم في ذلك الجوع حالة تشبه المذوق، وحالة تشبه الملبوس فاعتبر الله كلا الاعتبارين فقال فأذاقهما الله لباس الجوع والخوف، الوجه الثاني : أن التقدير أن الله عرفها أثر لباس الجوع والخوف، إلا أنه تعالى عبر عن التعريف بلفظ الإذاقة، وأصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فوضع موضع التعرف، وهو الاختبار تقول


الصفحة التالية
Icon