صفحة رقم ١٢١
ناظر فلاناً وذاق ما عنده :
ومن يذق الدنيا طعمتها
وسيق إلينا عذبها وعذابها
ولباس الجوع والخوف ما ظهر عليهم من الضمور، وشحوب اللون ونهكة البدن وتغيير الحال وكسوف البال، كما تقول : تعرفت سوء أثر الجوع والخوف على فلان، كذلك يجوز أن تقول : ذقت لباس الجوع والخوف على فلان.
الوجه الثالث : أن يحمل لفظ الذوق واللبس على المماسة، فصار التقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف ثم قال تعالى ) بما كانوا يصنعون ( ولم يقل بما صنعت لأنه أراد أهل القرية، والمعنى : فعلنا بهم ما فعلنا بسبب ما كانوا يصعنون، وهذا مثل أهل مكة لأنهم كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عز وجل عليهم بالنعمة العظيمة وهي إرسال محمد ( ﷺ ) وهو منهم فكفروا به وكذبوه وبالغوا في إيذائه، وأرادوا قتله فأخرجه الله من بينهم وأمره بالهجرة إلى المدينة وسلط على أهل مكة البلاء والشدائد والجوع والخوف كل ذلك بسبب تكذيبهم رسول الله ( ﷺ ) وخروجه من بين أظهرهم.
قوله سبحانه وتعالى ) ولقد جاءهم ( يعني أهل مكة ) رسول منهم ( يعني محمداً ( ﷺ ) يعرفون نسبه، ويعرفونه قبل النبوة وبعدها ) فكذبوه فأخذهم العذاب ( يعني الجوع والخوف وقيل القتل يوم بدر، والقول الأول أولى لما تقدم في الآية ) وهم ظالمون ( يعني كافرون ) فكلوا مما رزقكم الله ( في المخاطبين بهذا قولان : أحدهما، أنهم المسلمون، وهو قول جمهور المفسرين، والثاني، أنهم هم المشركون من أهل مكة.
قال الكلبي : لما اشتد الجوع بأهل مكة كلم رؤساؤهم رسول الله ( ﷺ ) فقالوا : إنك إنما عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان ؟ فأذن رسول الله ( ﷺ ) أن يحملوا الطعام إليهم حكاه الواحدي وغيره والقول الأول هو الصحيح.
قال ابن عباس فكلوا يا معشر المؤمنين مما رزقكم الله يريد الغنائم ) حلالاً طيباً ( يعني أن الله سبحانه وتعالى أحل الغنائم لهذه الأمة وطيبها لهم ولم تحل لأحد قبلهم ) واشكروا نعمة الله ( يعني التي أنعم بها عليكم ) إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ( تقدم تفسير هذه الآية وأحكامها في سورة البقرة فلم نعده هنا، وقوله تعالى ) ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ( يعني ولا تقولوا لأجل وصفكم الكذب ) هذا حلال وهذا حرام ( يعني أنكم تحلون وتحرمون لأجل الكذب لا لغيره فليس لتحليلكم وتحريمكم معنى وسبب إلا الكذب فقط، فلا تفعلوا ذلك.
قال مجاهد : يعني البحيرة والسائبة.
وقال ابن عباس : يعني قولهم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا، ومحرم على أزواجنا وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا يحلون أشياء ويحرمون أشياء من عند أنفسهم، وينسبون ذلك إلى الله تعالى وهو قوله تعالى ) لتفتروا على الله الكذب ( يعني لا تقولوا إن الله أمرنا بذلك فتكذبوا على الله لأن وصفهم الكذب هو افتراء على الله ثم توعد المفترين للكذب فقال سبحانه وتعالى ) إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ( يعني : لا ينجون من العذاب، وقيل : لا يفوزون بخير لأن الفلاح هو الفوز بالخير والنجاح ثم بين أن ما هم فيه من نعيم الدنيا يزول عنهم عن قريب فقال تعالى ) متاع قليل ( يعني متاعهم في الدنيا قليل فإنه لا بقاء له ) ولهم عذاب إليم ( يعني في الآخرة.
النحل :( ١١٨ - ١٢٣ ) وعلى الذين هادوا...
" وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين " ( ) وعلى الذين هادوا ( يعني اليهود ) حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ( يعني ما سبق ذكره وبيانه في سورة الأنعام وهو قوله


الصفحة التالية
Icon