﴿ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ [البقرة : ١٨٩] وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا، أو المراد وجوب الاعتقاد بأن جميع أفعاله تعالى حكمة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه لما في السؤال من الاتهام بمقارنة الشك ﴿ لا يُسْـاَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـاَلُونَ ﴾ [الأنبياء : ٢٣] (الأنبياء : ٣٢) ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [المائدة : ٨٨] فيم أمركم به ونهاكم عنه ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة : ١٨٩] لتفوزوا بالنعيم السرمدي.
﴿ وَقَـاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [البقرة : ١٩٠] المقاتلة في سبيل الله الجهاد لإعلاء كلمة الله وإعزاز الدين ﴿ الَّذِينَ يُقَـاتِلُونَكُمْ ﴾ [البقرة : ١٩٠] يناجزونكم القتال دون المحاجزين وعلى هذا يكون منسوخاً بقوله تعالى :﴿ وَقَـاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً ﴾ [التوبة : ٣٦] (التوبة : ٦٣) وقيل : هي أول آية نزلت في القتال فكان رسول
١٥٧
الله صلى الله عليه وسلّم يقاتل من قاتل ويكف عمن كف، أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء، أو الكفرة كلهم لأنهم قاصدون لمقاتلة المسلمين فهم في حكم المقاتلة ﴿ وَلا تَعْتَدُوا ﴾ [البقرة : ١٩٠] في ابتداء القتال أو بقتال من نهيتم عنه من النساء والشيوخ ونحوهما أو بالمثلة ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ وجدتموهم.
والثقف الوجود على وجه الأخذ والغلبة ﴿ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ [البقرة : ١٩١] أي من مكة وعدهم الله تعالى فتح مكة بهذه الآية وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم بمن لم يسلم منهم يوم الفتح ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ [البقرة : ١٩١] أي شركهم بالله أعظم من القتل الذي يحل بهم منكم.
وقيل : الفتنة عذاب الآخرة.
وقيل : المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان فيعذب به أشد عليه من القتل.
وقيل لحكيم : ما أشد من الموت؟ قال : الذي يتمنى فيه الموت.
فقد جعل الإخراج من الوطن من الفتن التي يتمنى عندها الموت.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٥٦
﴿ وَلا تُقَـاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَـاتِلُوكُمْ فِيهِ ﴾ [البقرة : ١٩١] أي ولا تبدأوا بقتالهم في الحرم حتى يبدأوا فعندنا المسجد الحرم يقع على الحرم كله ﴿ فَإِن قَـاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ﴾ [البقرة : ١٩١] في الحرم فعندنا يقتلون في الأشهر الحرم لا في الحرم إلا أن يبدأوا بالقتال معنا فحينئذ نقتلهم وإن كان ظاهر قوله واقتلوهم حيث ثقفتموهم يبيح القتل في الأمكنة كلها لكن لقوله ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه خص الحرم إلا عند البداءة منهم كذا في شرح التأويلات ﴿ كَذَالِكَ جَزَآءُ الْكَـافِرِينَ ﴾ [البقرة : ١٩١] مبتدأ وخبر.
ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم : حمزة وعلي ﴿ فَإِنِ انتَهَوْا ﴾ [الانفال : ٣٩] عن الشرك والقتال ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ [البقرة : ١٩٢] لما سلف من طغيانهم ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ بقبول توبتهم وإيمانهم.
﴿ وَقَـاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ [البقرة : ١٩٣] شرك وكان تامة وحتى بمعنى " كي " أو " إلى أن " ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ [البقرة : ١٩٣] خالصاً ليس للشيطان فيه نصيب أي لا يعبد دونه شيء
١٥٨
﴿ فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّـالِمِينَ ﴾ [البقرة : ١٩٣] فإن امتنعوا عن الكفر فلا تقاتلوهم فإنه لا عدوان إلا على الظالمين ولم يبقوا ظالمين، أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين، سمى جزاء الظالمين ظلماً للمشاكلة كقوله ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ﴾ [البقرة : ١٩٤].
قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذلك في ذي القعدة ﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ ﴾ [البقرة : ١٩٤] مبتدأ خبره ﴿ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة : ١٩٤] أي هذا الشهر بذلك الشهر وهتكه بهتكه يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم ﴿ وَالْحُرُمَـاتُ قِصَاصٌ ﴾ [البقرة : ١٩٤] أي وكل حرمة يجري فيها القصاص من هتك حرمة أي حرمة كانت اقتص منه بأن تهتك له حرمه، فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك ولا تبالوا وأكد ذلك بقوله


الصفحة التالية
Icon