﴿ فَمَن فَرَضَ ﴾ [البقرة : ١٩٧] ألزم نفسه بالإحرام ﴿ فِيهِنَّ الْحَجَّ ﴾ [البقرة : ١٩٧] في هذه الأشهر ﴿ فَلا رَفَثَ ﴾ [البقرة : ١٩٧] هو الجماع أو ذكره عند النساء أو الكلام الفاحش ﴿ وَلا فُسُوقَ ﴾ [البقرة : ١٩٧] هو المعاصي أو السباب لقوله عليه السلام سباب المؤمن فسوق أو التنابز بالألقاب لقوله تعالى :﴿ بِئْسَ اسْمُ الْفُسُوقُ ﴾ [الحجرات : ١١] (الحجرات : ١١) ﴿ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [البقرة : ١٩٧] ولامراء مع الرفقاء والخدم والمكارين.
وإنما أمر باجتناب ذلك وهو واجب الاجتناب في كل حال لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة والتطريب في قراءة القرآن.
والمراد بالنفي وجوب انتفائها وأنها حقيقة بأن لاتكون.
وقرأ أبو عمرو ومكي الأولين بالرفع فحملاهما على معنى النهي كأنه قيل : فلا يكونن رفث ولا فسوق، والثالث بالنصب على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل : ولا شك ولا خلاف في الحج.
ثم حث على الخير عقيب النهي عن الشر وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن، ومكان الفسوق البر والتقوى، ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة بقوله تعالى :﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ [البقرة : ١٩٧] اعلم بأنه عالم به يجازيكم عليه ورد قول من نفى علمه بالجزئيات.
كان أهل اليمن لا يتزودون ويقولون نحن متوكلون فيكونون كلاً على الناس فنزل فيهم ﴿ وَتَزَوَّدُوا ﴾ أي تزودوا واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ [البقرة : ١٩٧] أي الإتقاء عن الإبرام والتثقيل عليهم، أو تزودوا للمعاد باتقاء المحظورات فإن خير الزاد اتقاؤها ﴿ وَاتَّقُونِ ﴾ وخافوا عقابي وهو مثل ﴿ دَعَانِ ﴾ (البقرة : ٦٨١) ﴿ يَـاأُوْلِي الالْبَـابِ ﴾ [البقرة : ١٩٧] يا ذوي العقول يعني أن قضية اللب تقوى الله ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لب له.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٥٦
ونزل في قوم زعموا أن لا حج لجمال وتاجر وقالوا هؤلاء الداجّ وليسوا بالحاج ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا ﴾ [البقرة : ١٩٨] في أن تبتغوا في مواسم الحج
١٦٢
﴿ فَضْلا مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ [البقرة : ١٩٨] عطاء وتفضلاً وهو النفع والربح بالتجارة والكراء ﴿ فَإِذَآ أَفَضْتُم ﴾ [البقرة : ١٩٨] دفعتم بكثرة من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة، وأصله أفضنم أنفسكم فترك ذكر المفعول ﴿ مِّنْ عَرَفَـاتٍ ﴾ [البقرة : ١٩٨] هي علم للموقف سمي بجمع كأذرعات.
وإنما صرفت لأن التاء فيها ليست للتأنيث بل هي مع الألف قبلها علامة جمع المؤنث، وسميت بذلك لأنها وصفت لإبراهيم عليه السلام فلما رآها عرفها.
وقيل : التقى فيها آدم وحواء فتعارفا، وفيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاصة لا تكون إلا بعده ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة : ١٩٨] بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات أو بصلاة المغرب والعشاء ﴿ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة : ١٩٨] هو قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة.
والمشعر المعلم لأنه معلم العبادة، ووصف بالحرام لحرمته.
وقيل : المشعر الحرام مزدلفة، وسميت المزدلفة جمعاً لأن آدم عليه السلام اجتمع فيها مع جواء وازدلف إليها أي دنا منها، أو لأنه يجمع فيها بين الصلاتين، أو لأن الناس يزدلفون إلى الله تعالى أي يتقربون بالوقوف فيها ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ [البقرة : ١٩٨] ما مصدرية أوكافة اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة، أو اذكروه كما علمكم كيف تذكرونه ولا تعدلوا عنه ﴿ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ ﴾ [البقرة : ١٩٨] من قبل الهدى ﴿ لَمِنَ الضَّآلِّينَ ﴾ [البقرة : ١٩٨] الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه وإن مخففة من الثقيلة واللام فارقة ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ [البقرة : ١٩٩] ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس ولا تكن من المزدلفة.
قالوا : هذا أمر لقريش بالإفاضة من عرفات إلى جمع وكانوا يقفون بجمع وسائر الناس بعرفات ويقولون : نحن قطان حرمه فلا نخرج منه.
وقيل : الإفاضة من عرفات مذكورة فهي الإفاضة من جمع إلى منى.
والمراد بالناس على هذا الجنس ويكون الخطاب للمؤمنين ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة : ١٩٩] من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم أو من تقصير في
١٦٣