فيجب علينا غاية الوجوب أن نتقيد بإحياء نفوسنا بالحياة الحقيقية وإصلاح قلوبنا بالإصلاح الحقيقي وإخلاص أعمالنا بالإخلاص الحقيقي فإن المنظر الإلهي إنما هو القلوب والأعمال لا القصور والأموال كما ورد في الحديث "أن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم بل إلى قلوبكم وأعمالكم" فالمعتبر هو الباطن والسرائر دون السير والظواهر.
والعاقل من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والجاهل من نسي نفسه واتبع هواه وما يعقل ذلك إلا العالمون وما يعلمه إلا الكاملون، قال السعدي :
شخصم بشم عالميان خوب منظرست
وزخبث باطنم سر حجلت فتاده يش
طاوس را بنقش ونكارى كه هست خلق
تحسين كنندا وحجل ازاي زشت خويش
وقد سئل بعض المشايخ عن الإسلام فقال : ذبح النفس بسيوف المخالفة ومخالفتها ترك شهواتها.
قال السري السقطي : إن نفسي تطالبني مدة ثلاثين سنة أو أربعين سنة أن أغمس جوزة في دبس فما أطعمتها ورؤي رجل جالس في الهواء فقيل له : بمَ نلت هذا؟ قال : تركت الهوى فسخر لي الهواء وقيل لبعضهم إني أريد أن أحج على التجريد فقال : جرد أولاً قلبك من السهو ونفسك عن اللهو ولسانك عن اللغو ثم اسلك حيث شئت.
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٦٢
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم﴾ خطاب لأهل عصر
١٦٣
النبي عليه السلام من الأحبار وثم لاستبعاد القسوة من بعد ذكر ما يوجب لين القلوب ورقتها ونحوه ثم أنتم تمترون والقسوة والقساوة عبارة عن الغلظ والصلابة كما في الحجر وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوها عن الاعتبار وأن المواعظ لا تؤثر فيها ﴿مِّنا بَعْدِ ذَالِكَ﴾ أي : من بعد سماع ما ذكر من إحياء القتيل ومسخ القردة والخنازير ورفع الجبل وغيرها من الآيات والقوارع التي تميع منها الجبال وتلين بها الصخور ﴿فَهِىَ﴾ أي : القلوب ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾ أي : مثل الحجارة في شدتها وقسوتها والفاء لتفريع مشابهتها لها على ما ذكر من القساوة تفريع التشبيه على بيان وجه الشبه كقولك أحمر خده فهو كالورد ﴿أَوْ أَشَدَّ﴾ منها ﴿قَسْوَةً﴾ تمييز وأو بمعنى بل أو للتخيير أي : إن شئتم فاجعلوها أشد منها كالحديد فأنتم مصيبون وإنما لم تحمل على أصلها وهو الشك والتردد لما أن ذلك محال على علام الغيوب.
فإن قلت : لم قيل أشد قسوة وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب.
قلت لكونه أبين وأدل على فرط القسوة من لفظ أقسى لأن دلالته على الشدة بجوهر اللفظ الموضوع لها مع هيئة موضوعة للزيادة في معنى الشدة بخلاف لفظ الأقسى فإن دلالته على الشدة والزيادة في القسوة بالهيئة فقط ووجه حكمة ضرب قلوبهم مثلاً بالحجارة وتشبيهها بها دون غيرهامن الأشياء الصلبة من الحديد والصفر وغيرهما لأن الحديد تلينه النار وهو قابل للتليين كما لان لداود عليه السلام وكذا الصفر حتى يضرب منها الأواني والحجر لا يلينه نار ولا شيء فلذلك شبه قلب الكافر بها وهذا والله أعلم في حق قوم علم الله أنهم لا يؤمنون.
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ﴾ بيان لفضل قلوبهم على الحجارة من شدة القسوة وتقرير لقوله أو أشد قسوة ومن الحجارة خبر أن والاسم قوله :
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٦٣
﴿لِمَا﴾ واللام للتأكيد أي : الحجر ﴿يَتَفَجَّرُ﴾ أي : يتفتح بكثرة وسعة ﴿مِنْهُ﴾ راجع إلى ما ﴿الانْهَارُ﴾ جمع نهر وهو المجرى الواسع من مجاري الماء والمعنى وإن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير أي : يتصبب ﴿وَإِنَّ مِنْهَا﴾ أي : من الحجارة ﴿لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ أصله يتشقق أي : يتصدع والصدع جعل الشيء ذا نواحي ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ﴾ أي : ينشق انشقاقاً بالطول أو بالعرض ينبع منه الماء أيضاً يعني العيون دون الأنهار ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ﴾ أي : يتردى وينزل من أعلى الجبل إلى أسفله ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ وهي الحوف عن العلم وهنا مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها وقلوب هؤلاء اليهود لا تنقاد ولا تلين ولا تخشع ولا تفعل ما أمرت به ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾ بساه ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي : الذي تعملونه وهو وعيد شديد على ما هم عليه من قساوة القلوب وما يترتب عليها من الأعمال السيئة فقلب الكافر أشد في القساوة من الحجارة وإنها مع فقد أسباب الفهم والعقل منها وزوال الخطاب عنها تخضع له وتتصدع قال تعالى :﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَاذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَه خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (الحشر : ٢١) وقلب الكافر مع وجود أسباب الفهم والعقل وسعة هيئة القبول لا يخضع ولا يلين.
قالت المعتزلة خشية الحجر على وجه المثل يعني لو كان له عقل لفعل ذلك ومذهب أهل السنة أن الحجر وإن كان جماداً لكن الله يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه فإنتعالى علماً في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره فلها صلاة وتسبيح وخشية
١٦٤