﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا﴾ أي : بالله لقد أعطينا يا بني إسرائيل ﴿مُوسَى﴾ لغة عبرانية قد سبق تفصيله عند قوله تعالى :﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى﴾ (البقرة : ٥١) الآية ﴿الْكِتَـابُ﴾ أي : التوراة جملة واحدة ﴿وَقَفَّيْنَا مِنا بَعْدِه بِالرُّسُلِ﴾ يقال قَفَّاه به إذا أتبعه إياه أي : اتبعنا من بعد موسى رسولاً بعد رسول مقتفين أثره وهم يوشع وشمويل وداود وسليمان وشمعون وعشيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم عليهم السلام ﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى﴾ بالسريانية اليسوع ومعناه المبارك والأصح أنه لا اشتقاق له ولأمثاله في العربية ﴿ابْنَ﴾ بإثبات الألف وإن كان وقعاً بين العلمين لندرة الإضافة إلى الأم ﴿مَرْيَمَ﴾ بالسريانية بمعنى الخادمة والعابدة قد جعلتها أمها محررة لخدمة المسجد ولكمال عبادتها لربها سماها الحق تعالى في كتابه الكريم مع الأنبياء عليهم السلام سبع مرات وخاطبها كما خوطب الأنبياء كما قال تعالى : يا مَرْيَمُ اقْنُتِى لِرَبِّكِ وَاسْجُدِى وَارْكَعِى مَعَ الراَّكِعِينَ} (آل عمران : ٤٣) فشاركها مع الرجال ﴿الْبَيِّنَـاتُ﴾ المعجزات الواضحات من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات والإنجيل ﴿وَأَيَّدْنَـاهُ﴾ أي : قويناه ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة أي : بالروح المقدسة المطهرة وهي روح عيسى عليه السلام وصفت بالقدس للكرامة لأن القدس هو الله تعالى أو الروح جبريل ووصفه بالطهارة لأنه لم يقترف ذنباً وسمي روحاً لأنه كان يأتي الأنبياء بما فيه حياة القلوب ومعنى تقويته به أنه عصمه من أول حاله إلى كبره فلم يدن منه الشيطان عند الولادة ورفعه إلى السماء حين قصد اليهود قتله وتخصيص عيسى من بين الرسل ووصف بإيتاء البينات والتأييد بروح القدس لما أن بعثتهم كانت لتنفيذ أحكام التوراة وتقريرها وأما عيسى فقد نسخ بشرعه كثير من أحكامها وحسم مادة اعتقادهم الباطل في حقه ببيان حقيقته وإظهار كمال قبح ما فعلوا به وما بين موسى وعيسى أربعة آلاف نبي وقيل سبعون ألف نبي
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٧٧
﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ﴾ خاطب أهل عصر النبي عليه السلام بهذا وقد فعله أسلافهم يعني لم يوجد منهم القتل إن وجد الاستكبار لأنهم يتولونهم ويرضون بفعلهم والفاء للعطف على مقدر يناسب المقام أي : ألم تطيعوهم فكلما جاءكم ﴿رَسُولُا بِمَا لا تَهْوَى﴾ أي : لا تريد ﴿أَنفُسُكُمُ﴾ ولا يوافق هواكم من الحق الذي لا انحراف عنه ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أي : تعظمتم عن الاتباع له والإيمان بما جاء به من عند الله ﴿فَفَرِيقًا﴾ منهم ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ كعيسى ومحمد عليهما السلام ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ كزكريا ويحيى وغيرهما عليهم السلام.
وقدم فريقاً في الموضعين
١٧٧
للاهتمام وتشويق السامع إلى ما فعلوا بهم لا للقصر ولم يقل قتلتم وإن أريد الماضي تفظيعاً لهذه الحالة فكأنها وإن مضت حاضرة لشناعتها ولثبوت عارها عليهم وعلى ذريتهم بعدهم أو يراد وفريقاً تقتلونهم بعد وإنكم على هذه النية لأنكم حاولتم قتل محمد عليه الصلاة والسلام لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة حتى قال عليه السلام عند موته :"ما زالت أكلة خيبر تعاودني" أي : يراجعني أثر سمها في أوقات معدودة "فهذا أوان قطعت أبهري" وهو عرق منبسط في القلب إذا انقطع مات صاحبه.
وقصته أنه لما فتحت خيبر وهو موضع بالحجاز أهديت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شاة فيها سمٌّ فقال رسول الله :"إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي فيه" قالوا : نعم يا أبا القاسم قال :"هل جعلتم في هذه الشاة سماً" قالوا : نعم قال :"فما حملكم على ذلك" قالوا : أردنا إن كنت كاذباً أن نستريح منك وإن كنت صادقاً لم يضرك.
واعلم أن اليهود أنفوا من أن يكونوا أتباعاً وكانت لهم رياسة وكانوا متبوعين فلم يؤمنوا مخافة أن تذهب عنهم الرياسة فما دام لم يخرج حب الرياسة من القلب لا تكون النفس مؤمنة بالإيمان الكامل وللنفس صفات سبع مذمومة العجب والكبر والرياء والغضب والحسد وحب المال وحب الجاه ولجهنم أيضاً أبواب سبعة فمن زكى نفسه عن هذه السبع فقد أغلق سبعة أبواب جهنم ودخل الجنة وأوصى إبراهيم بن أدهم بعض أصحابه فقال : كن ذنباً ولا تكن رأساً فإن الرأس يهلك والذنب يسلم، قال في "المثنوي" :
تاتواني بنده شو سلطان مباش
جزء : ١ رقم الصفحة : ١٧٧
زخم كش ون كوى شووكان مباشاشتهار خلق بند محكمست
در ره أين از بند آهن كى كم است وعن بعض المشايخ النقشبندية أنه قال : دخلت على الشيخ المعروف بدده عمر الروشني للعبادة فوجدته متغير الحال بسبب أنه داخله شيء من حب الرياسة لأنه كان مشهوراً في بلدة تبريز مرجعاً للأكابر والأصاغر فنعوذ بالله من الحور بعد الكور.
وفي "شرح الحكم" ادفن وجودك أي : ما يكون سبب ظهور اختصاصك بين الخلق من علم أو عمل أو حال في أرض الخمول التي هي أحد ثلاثة أمور :