ـ روي ـ أن الصحابة رضي الله عنهم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلّم في أن يقتلوا هؤلاء اليهود الذين كفروا بأنفسهم ودعوا المسلمين إلى الكفر فنزلت الآية بترك القتال والإعراض عن المكافأة إلى أن يجيء الإذن من الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدر على الانتقام منهم وينتقم إذا جاء أوانه.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٠٢
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَواةَ﴾ عطف على فاعفوا كأنه أمرهم بالصبر والمخالفة واللجأ إلى الله تعالى بالعبادة والبر فالمراد الأمر بملازمة طاعة الله تعالى من الفرائض والواجبات والتطوعات بقرينة قوله :﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لانفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ﴾ فإن الخير يتناول أعمال البر كلها إلا أنه تعالى خص من بينها إقام الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر تنبيهاً على عظم شأنهما وعلو قدرهما عند الله فإن الصلاة قربة بدنية ليكون عمل كل عضو شكراً لما أنعم الله عليه في ذلك والزكاة قربة مالية ليكون شكراً للأغنياء الذين فضلهم الله في الدنيا بالاستمتاع بلذيذ العيش بسبب سمعتهم في صنوف الأعمال وما تقدموا شرطية أي : أي : شيء من الخيرات صلاة أو صدقة أو غيرهما تقدموه وتسلفوه لمصلحة أنفسكم ﴿تَجِدُوهُ﴾ أي : ثوابه وجزاءه لا عينه لأن عين تلك الأعمال لا تبقى ولأن وجدان عينها لا يرغب فيه ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ أي : محفوظاً عنده في الآخرة فتجدوا الثمرة واللقمة فيها مثل أحد ولفظ التقديم إشارة إلى أن المقصود الأصلي والحكمة الكلية في جميع ما أنعم الله تعالى به على المكلفين في الدنيا أن يقدموه إلى معادهم ويدخروه ليومهم الآجل كما جاء في الحديث "إن العبد إذا مات قال الناس ما خلف وقالت الملائكة ما قدم" ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أن عالم لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال والعمل غير مقيد بالخير أو الشر فهو عام شامل للترغيب والترهيب فالترغيب من حيث أنه يدل
٢٠٤
على أنه تعالى يجازي على القليل من الخير كما يجازي على الكثير والترهيب من حيث أنه يجاري على القليل والكثير من الشر أيضاً فلا يضيع عنده عمل عامل.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه مر ببقيع الغرقد فقال : السلام عليكم أهل القبور أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن دوركم قد سكنت وأموالكم قد قسمت فأجابه هاتف يا بن الخطاب أخبار ما عندنا أن ما قدمناه وجدناه وما أنفقناه فقد ربحناه وما خلفناه فقد خسرناه" ولقد أحسن القائل :
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٠٤
قدم لنفسك قبل موتك صالحاً
واعمل فليس إلى الخلود سبيل قال السعدي :
توغافل درانديشه سود ومال
كه سرماية عمر شد ايمال
غبار هوا شم عقلت بدوخت
سموم هوا كشت عمرت بسوخت
بكن سرمه غفلت از شم اك
كه فرداشوي سرمه درشم خاك
اعلم أن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا أن يبقى بعده واحد من الأولاد الأربعة التي لا ينقطع أجرها :
الأول : ما يتولد من مال الإنسان كبناء المساجد والجسور والرباط والأوقاف وغير ذلك من الخيرات، كما قال السعدي في البستان :
ازان كس كه خيرى بماندروان
دمادم رسد رحمتش برروان
نمرد آنكه ماند س ازوى بجاي
ل ومسجد وخان ومهمان سراي
هران كونماند از سش ياد كار
درخت وجودش نياورد بار
وكر رفت وآثار خيرش نماند
نشايد س مرك الحمد حواند
وإلى هذا أشار عليه السلام بقوله :"من صدقة جارية" في حديث "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث".
والثاني : ما يتولد من العقل الراجح كالعلم المنتفع به وإليه الإشارة بقوله عليه السلام :"أو علم ينتفع به" قيل : هو الأحكام المستنبطة من النصوص والظاهر أنه عام متناول ما خلفه من تصنيف أو تعليم في العلوم الشرعية وما يحتاج إليه في تعلمها قيد العلم بالمنتفع به لأن ما لا ينتفع به لا يثمر أجراً كما أن كتم ما ينتفع به لا يثمر أجراً بل إثماً وعذاباً كما ورد في الحديث "من كتم علماً يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من النار".
قال الإمام السخاوي يشمل هذا الوعيد حبس الكتب عمن يطلبها للانتفاع بها.