وسئل القاضي أبو بكر ابن العربي أحد الأئمة المالكية عن رجل قال إن آباء النبي عليه السلام في النار فأجاب بأنه ملعون لأن الله تعالى يقول :﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا وَالاخِرَةِ﴾ (الأحزاب : ٥٧) وفي الحديث "لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات" وسئل الإمام الرستغفي عن قول بعض الناس عن آدم عليه السلام لما بدت منه تلك الزلة أسود منه جميع جسده فلما أهبط إلى الأرض أمر بالصيام والصلاة فصام وصلى فابيض جسده أيصح هذا القول قال لا يجوز في الجملة القول في الأنبياء عليهم السلام بشيء يؤدي إلى العيب والنقصان فيهم وقد أمرنا بحفظ اللسان عنهم لأن مرتبتهم أرفع وهم على الله أكرم وقد قال عليه السلام :"إذا ذكر أصحابي فأمسكوا" فلما أمرنا أن لا نذكر الصحابة رضي الله عنهم بشيء يرجع إلى العيب والنقص فلأن نمسك ونكف عن الأنبياء أولى وأحق فحق المسلم أن يمسك لسانه عما يخل بشرف نسب نبينا عليه السلام ليست من الاعتقاديات فلاحظ للقلب منها وأما اللسان فحقه أن يصان عما يتبادر منه النقصان خصوصاً إلى وهم العامة لأنهم لا يقدرون على دفعه وتداركه فهذا هو البيان الشافي في هذا الباب بطرقه المختلفة التقطته من الكتب النفيسة وقرنت كل نظير إلى مثله والحمدتعالى وحده.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢١٥
﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَـارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ اقناط له عليه السلام من طمعه في إسلامهم حيث علق رضاهم عنه بما لا سبيل إليه ولا يستحيل وجوده وإذا لم يرضوا عنه فكيف يتبعون ملته أي : دينه أي : لن ترضى عنك اليهود إلا بالتهود إلى قبلتهم وهي المغرب ولا النصارى إلا بالتنصر والصلاة إلى قبلتهم وهي المشرق ووحد الملة لأن الكفر ملة واحدة وهذه حكاية لمقالتهم بأن قالوا لن نرضى عنك حتى تتبع ملتنا وادعوا بتلك المقالة أن ملتهم هي الهدى لا ما سواها فأمره الله تعالى بقوله :﴿قُلْ﴾ أن يرد عليهم بطريق قصر القلب ويقول :﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ الذي هو الإسلام ﴿هُوَ الْهُدَى﴾ إلى الحق لا ما تدعون إليه من الملة الزائغة فإنها هوى كما يعرب عنه قوله تعالى :﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ أي : آراءهم الزائغة الصادرة عنهم بقضية شهوات أنفسهم وهي التي عبر عنها فيما قبل بملتهم إذ هي التي ينتمون إليها.
وأما ما شرعه الله من الشريعة على لسان الأنبياء عليهم السلام وهو المعنى الحقيقي للملة فقد غيروها تغييراً.
والأهواء جمع هوى وهو رأي عن شهوة داع إلى الضلال وسمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل واهية وفي الآخرة إلى الهاوية وإنما قال أهواءهم بلفظ الجمع ولم يقل أهواءهم تنبيهاً على أن لكل واحد هوى غير هوى الآخر ثم هوى كل واحد منهم لا يتناهى فلذلك أخبر أنه لا يرضى الكل إلا باتباع أهواء الكل.
واعلم أن الطريقة المشروعة تسمى ملة باعتبار أن الأنبياء الذين أظهروها قد أملوها وكتبوها لأمتهم كما أنها تسمى ديناً باعتبار طاعة العباد لمن سنها وانقيادهم لحكمه وتسمى أيضاً شريعة باعتبار كونها مورداً للمتعطشين إلى زلال ثوابه ورحمته والخطاب في قوله ولئن اتبعت متوجه إلى النبي
٢١٨
عليه السلام في الحقيقة.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢١٨
وما قيل من أنه تعالى حكم بعصمة الأنبياء وعلم منهم أنهم لا يعصون له ولا يخالفون أمره ولا يرتكبون ما نهى عنه فكانت عصمتهم واجبة فلا وجه لتحذيرهم عن اتباع هوى الكفرة فوجب أن يكون التحذير متوجهاً إلى الأمة لا إلى أنفسهم.
فالجواب عنه أن التكليف والتحذير إنما يعتمد على كون المكلف به محتملاً ومتصوراً في ذاته من حيث تحقق ما يتوقف عليه وجوده من الآلات والقوى والامتناع الحاصل من حكمه تعالى بعصمتهم وعلمه بها امتناع بالغير وهو لا ينافي الإمكان الذاتي هو شرط التكليف والتحذير ﴿بَعْدَ الَّذِي جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي : القرآن الموحى إليك وهو حال من ضمير جاءك ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ أي : من جهته العزيزة وهو جواب لئن ﴿مِن وَلِيٍّ﴾ أي : قريب ينفعك من الولي وهو القرب ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ يدفع عنك عقابه والفرق بين الولي والنصير العموم والخصوص من وجه لأن الولي قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون أجنبياً عن المنصور كما يكون من أقرباء المنصور وهو مادة اجتماعهما وقوله من ولي مرفوع على الابتداء ولك خبره ومن صلة وقوله من الله منصوب المحل على أنه حال لأنه لما كان متقدماً على قوله من ولي امتنع أن يكون صفة له ونظيره قوله :
لعزة موحشاً طلل قديم†
ولما ذكر قبائح المتعنتين الطالبين للرياسة من اليهود والنصارى اتبع ذلك بمدح من ترك طريق التعنت وخب الرياسة منهم وطلب مرضاة الله وحسن ثواب الآخرة وآثره على الحظوظ العاجلة الفانية فقال تعالى :