﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَـاهُمُ الْكِتَـابَ﴾ يريد مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه من الذين أسلموا من اليهود وإنما خصهم بذكر الإيتاء لأنهم هم الذين عملوا به فخصوا به والكتاب التوراة ﴿يَتْلُونَه حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ بمراعاة لفظه عن التحريف وبالتدبر في معانيه والعمل بما فيه وهو حال مقدرة من الضمير المنصوب في آتيناهم أو من الكتاب لأنهم لم يكونوا تالين له وقت الإتيان.
وقوله حق تلاوته نعت لمصدر محذوف دل عليه الفعل المذكور أي : يتلونه تلاوة حق تلاوته واختار الكواشي كونه منصوباً على المصدرية على تقدير تلاوة حقاً فإن نعت المصدر إذا قدم عليه وأضيف إليه نصب المصادر نحو ضربت أشد الضرب بنصب أشد على المصدرية ﴿أُوالَـائِكَ﴾ الموصوفون بإيتاء الكتاب وتلاوته كما هو حقه وهو مبتدأ ثان خبره قوله تعالى :﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي : بكتابه دون المحرفين فإن بناء الفعل على المبتدأ وإن كان اسماً ظاهراً يفيد الحصر مثل الله يستهزىء بهم ﴿وَمن يَكْفُرْ بِهِ﴾ أي : بالكتاب سواء كان كفره بنفس التحريف أو بغيره كالكفر بالكتاب الذي يصدقه ﴿فأولئك هُمُ الْخَـاسِرُونَ﴾ أي : الهالكون المغبونون حيث اشتروا الكفر بالإيمان.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢١٨
يا بَنِى إسرائيل اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} ومن جملتها التوراة وذكر النعمة إنما يكون بشكرها وشكرها الإيمان بجميع ما فيها ومن جملته نعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومن ضرورة الإيمان بها الإيمان به صلى الله عليه وسلّم اذكروا ﴿وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَـالَمِينَ﴾ أي : عالمي زمانكم.
﴿وَاتَّقُوا﴾ إن لم تؤمنوا ث﴿يَوْمًا﴾ أي : عذاب يوم وهو يوم القيامة ﴿لا تَجْزِى﴾ تقول جزى عني هذا الأمر يجزي كما تقول قضى عني يقضي وزناً ومعنى أي : لا تقضي في ذلك اليوم ﴿نَفْسٌ﴾ من
٢١٩
النفوس ﴿عَن نَّفْسٍ﴾ أخرى ﴿شَيْئًا﴾ من الحقوق التي لزمتها أي : لا تقضي نفس ليس عليها شيء من الحقوق التي وجبت على نفس أخرى أي : لا تؤخذ نفس بذنب أخرى ولا تدفع عنها شيئاً وأما إذا كان عليها شيء فإنها تجزي وتقضي بغير اختيارها بما لها من حسناتها ما عليها من الحقوق كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال :"من كانت له مظلمة لأخيه من عرض أو غيره فليستحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا﴾ أي : من النفس الأولى ﴿عَدْلٌ﴾ أي : فداء وهو بفتح العين الفدية وهي ما يماثل الشيء قيمة وإن لم يكن من جنسه والعدل بالكسر ما يساوي الشيء في الوزن والجرم من جنسه والمعنى لا يؤخذ منها فدية تنجو بها من النار ولا تجد ذلك لتفتدى به وسميت الفدية عدلاً لأنها تعادل ما يقصد إنقاذه وتخليصه يقال فداه إذا أعطى فداءه فأنقذ ﴿وَلا تَنفَعُهَا شَفَـاعَةٌ﴾ إن شفعت للنفس الثانية ﴿وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي : يمنعون من عذاب الله تعالى.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢١٩
واعلم أن المستوجب للعذاب يخلص منه في الدنيا بأحد أربعة أمور : إما بأن ينصره ناصر قوي فيخلصه ويدفع العذاب عنه قهراً أو بأن يفديه أي : بأن يعطي أحد أشياء غير ما عليه من الحق وذلك الشيء هو الفدية وهو الفداء فأنقذه به فالله تعالى بين هول يوم القيامة بأن نفى أن يدفع العذاب أحد عن أحد بشيء من هذه الوجوه المحتملة في الدنيا.
قال السعدي قدس سره :
قيامت كه نيكان بأعلى رسند
ز قعر ثرى بر ثريا رسند
ترا خود بماند سر ازننك يش
كه كردت بر آيد عملهاي خويش
برادر ز كار بدان شرم دار
كه در روى نيكان شوى شرمسار
دران روز كزفعل رسند وقول
اولوا العزم راتن بارزد زهولبجايي كه دهشت
بجايى كه دهشت خورد أنبيا
تو عذر كنه را ه داري بيا