ثم اعلم أن الله تعالى بدأ قصة بني إسرائيل بهاتين الآيتين ففي الآية الأولى تذكير النعمة وفي الأخرى تخويف العقوبة وبهما ختم القصة مبالغة في النصح وإيذاناً بأن المقصود من القصة ذلك ودل قوله تعالى :﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم﴾ على قبح الصحبة بأهل الهوى والبدع والاتباع لهم في أقوالهم وأفعالهم وفي الحديث "من اتبع قوماً على أعمالهم حشر في زمرتهم" أي : في جماعتهم "وحوسب يوم القيامة بحسابهم وإن لم يعمل بأعمالهم" وربما يكون للإنسان شركة أي : في إثم القتل والزنى وغيرهما إذا رضي به من عامل واشتد حرصه على فعله وفي الحديث "من حضر معصية فكرهها فكأنما غاب عنها ومن غاب عنها فرضيها كان كمن حضرها" وحضور مجلس المعصية إذا كان لحاجة أو لاتفاق جريانها بين يديه ولا يمكن دفعها فغير ممنوع وأما الحضور قصداً فممنوع.
ومن سنة السلف الصالحين الانقطاع عن مجالس أهل اللغو واللهو والمجانبة عن اتباع أهل الهوى والبدع.
وروي أن ابن المبارك رؤي في المنام فقيل له ما فعل ربك بك فقال : عاتبني وأوقفني ثلاثين سنة بسبب أني نظرت باللطف يوماً إلى مبتدع
٢٢٠
فقال : إنك لم تعاد عدوى في الدين فكيف حال القاعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين والمتمسك بسنة سيد المرسلين عند فساد الخلق واختلاف المذاهب والملل كان له أجر مائة شهيد وفي الحديث "سيأتي على الناس زمان تخلق فيه سنتي وتتجدد فيه البدعة فمن اتبع سنتي يومئذٍ صار غريباً وبقي وحيداً ومن اتبع بدع الناس وجد خمسين صاحباً أو أكثر" وللصحبة تأثير عظيم كما قيل :
عدوى البليد إلى البليد سريعة
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢١٩
والجمر يوضع في الرماد فيخمد
قال الحافظ :
نخست موعظة ير مجلس اين حرفست
كه از مصاحب ناجنس احتراز كنيد
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢١٩
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِامَ﴾ قال القرطبي في "تفسيره" : تفسيره بالسريانية فيما ذكره الماوردي وبالعربية فيما حكي ابن عطية أب رحيم.
قال السهيلي : وكثيراً ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي أو تقاربه في اللفظ ألا ترى أن إبراهيم تفسيره أب رحيم لمرحمته بالأطفال ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغاراً إلى يوم القيامة.
وقال في "تذكرة الموتى" : كان اسمه أبرم فزيد في اسمه هاء والهاء في السريانية التفخيم والتعظيم ﴿رَبُّهُ﴾ الضمير لإبراهيم وقدم المفعول لفظاً وإن كان مؤخراً رتبة ووجه التقديم الاهتمام فإن الذهن يتشوق ويطلب معرفة المبتلى أي : واذكر وقت اختباري إبراهيم والمقصود من ذكر الوقت ذكر ما وقع فيه من الحوادث لأن الوقت مشتمل عليها فإذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها كأنها مشاهدة عياناً.
والابتلاء في الأصل الاختبار أي : تطلب الخبر بحال المختبر بتعريضه لأمر يشق عليه غالباً فعله أو تركه وذلك إنما يتصور حقيقة ممن لا وقوف له على عواقب الأمور.
وأما من العليم الخبير فلا يكون إلا مجازاً عن تمكينه للعبد من اختيار أحد الأمرين ما يريد الله تعالى وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه بما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك كما علم الكفر من إبليس ولم يلعنه بعلمه ما لم يختبره بما يستوجب اللعنة به ﴿بِكَلِمَـاتٍ﴾ جمع كلمه وهي اللفظ الموضوع لمعنى مفرد فيكون الكلمات عبارة عن الألفاظ المنظومة لكنها قد تطلق على المعاني التي تحتها لما بين الدال والمدلول من التضايف والمتضايفان متكافئان في الوجود التعقلي كما في قوله تعالى :﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ (الأنعام : ١١٥) أي : قضية وحكمة وقوله :﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَـاتِ رَبِّى﴾ (الكهف : ١٠٩) أي : للمعاني التي تبرز بالكلمات ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي : قام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوان ولذا قيل لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم فكتب الله له البراءة فقال :﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى﴾ (النجم : ٣٧).
وفسرت الكلمات بوجوه ذكرت في التفاسير.
ومنها العشر التي هي من السنة كما قال ابن عباس رضي الله عنهما هي عشر خصال كانت فرضاً في شرعه وهي سنة في شرعنا : خمس منها في الرأس وهي المضمضة والاستنشاق وفرق الرأس وقص الشارب والسواك.
وخمس في البدن وهي الختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء أي : غسل مكان الغائط والبول بالماء.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٢١
ولنذكر منها بعض ما يحتاج إلى البيان فنقول فرق شعر الرأس تفريقه وتقسيمه
٢٢١
إلى نصفين وكان المشركون يفرقون أشعار رؤوسهم وأهل الكتاب يسدلون أي : يرسلون شعورهم على الجبين ويتخذونها كالقصة وهي شعر الناصية وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل فيه حكم لاحتمال أن يعملوا بما ذكر في كتابهم ثم نزل جبريل فأمره بالفرق.


الصفحة التالية
Icon