واعلم أن أكثر حال النبي عليه الصلاة والسلام كان الإرسال وحلق الرأس منه معدود ولكن الإمام الغزالي كره الإرسال في زماننا لأنه صار شعار العلوية فإذا لم يكن علوياً كان تلبيساً.
وذكر في جنايات "الذخيرة" إمساك الجعد في الغلام حرام لأنهم إنما يمسكون الجعد في الغلام للأطماع الفاسدة.
وذكر أن شخصاً أحضر ولده بمجلس أبي بكر رضي الله تعالى عنه وقد حلق بعض الشعر من رأسه وأبقى البعض فأمر أبو بكر رضي الله تعالى عنه بقتله فتاب واستغفر فعفا عنه.
قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده أفندي قدس سره ليس هذا أمراً بقتله في الحقيقة بل بيان أن من فعله يستحق القتل ومثله أنه ذكر في مجلس أبي يوسف أن النبي عليه السلام كان يحب القرع فقال رجل : أنا لا أحبه فأفتى أبو يوسف بقتله فتاب ورجع فعفا عنه.
وأما قص الشارب فهو قطعه بالمقص أي : بالمقراض وكان عليه السلام يقص شاربه كل جمعة قبل أن يخرج إلى صلاة الجمعة.
قال النووي المختار فيه أن يقص حتى يبدو طرف الشفة ويكون مثل الحاجب.
وفي "الإحياء" : ولا بأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب فعل ذلك عمر رضي الله تعالى عنه وغيره لأن ذلك لا يستر الفم ولا يبقى فيه غمر الطعام.
وتوفير الشارب كتوفير الأظافير مندوب للمجاهد في دار الحرب وإن كان قطعهما من الفطرة وذلك ليكون أهيب في عين العدو والسنة تقصير الشارب فحلقه بدعة كحلق اللحية.
وفي الحديث "جزوا الشوارب واعفوا اللحى" الجز القص والإعفاء التوفير والترك على حالها وحلق اللحية قبيح بل مثلة وحرام وكما أن حلق شعر الرأس في حق المرأة مثلة منهي عنها وتشبه بالرجال وتفويت للزينة كذلك حلق اللحية مثلة في حق الرجال وتشبه بالنساء منهي عنه وتفويت للزينة.
قال الفقهاء اللحية في وقتها جمال وفي حلقها تفويته على الكمال ومن تسبيح الملائكة سبحان من زين الرجال باللحى وزين النساء بالذوائب.
وفي "الكشاف" : في مقام مدح الرجال عند قوله تعالى :﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ﴾ (النساء : ٣٤) وهم أصحاب اللحى والعمائم.
قال في نصاب "الاحتساب" : ومن الأكساب التي يحتسب على أربابها حلق لحى الرجال ورأس النساء تشبهاً بالرجال ولا بأس بأخذ الزائد على القبضة من اللحية لأنه عليه السلام كان يأخذ من لحيته طولاً وعرضاً إذا زاد على قدر القبضة فإن الطول المفرط يشوه الحلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنسبة إليه فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النية ويكره نتف الشيب كما يفعله البعض في زماننا كرهاً للشيب وإراءة للشباب، قال الحافظ :
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٢١
سواد نامة موي سياه ون طي شد
بياض كم نشود كر صد انتخاب رود
يسود أعلاها وبيض أصلها
ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصل
وأما الختان فهو قطع الجلدة الزائدة من الذكر وجمهور العلماء على أن ذلك من
٢٢٢
مؤكدات السنن ومن فطرة الإسلام التي لا يسع تركها في الرجال إلا أن يولد الصبي مختوناً وقد ولد الأنبياء كلهم مختونين مسرورين أي : مقطوعي السرة كرامة لهم إلا إبراهيم خليل الله فإنه ختن نفسه ببلدة قدوم بالتخفيف والتشديد وهو ابن مائة وعشرين أو ثمانين ليستن بسنته بعده واختلفوا في الختان قيل لا يختن حتى يبلغ لأنه للطهارة ولا طهارة عليه حتى يبلغ وقيل إذا بلغ عشراً وقيل تسعاً وقيل فيما بين سبع سنين إلى عشر.
قال الحدادي المستحب في وقت الختان من اليوم السابع من ولادته إلى عشر سنين ويكره الترك إلى وقت البلوغ وتوقف أبو حنيفة في وقته.
واستحب العلماء في الرجل الكبير يسلم أن يختتن وإن بلغ ثمانين.
وعن الحسن أنه كان يرخص للشيخ الذي يسلم أن لا يختتن ولا يرى به بأساً ولا يرد شهادته وذيجته وحجه وصلاته.
قال ابن عبد البر وعامة أهل العلم على هذا.
وأما تقليم الأظفار فهو قصها والقلامة بالضم ما يزال منها وندب قص الأظفار لأنه ربما يجنب ولا يصل الماء إلى البشرة من أجل الوسخ ولا يزال جنباً ومن أجنب فبقي موضع إبرة من جسده بعد الغسل غير مغسول فهو جنب على حاله حتى يعم الغسل جسده كله وفي الحديث "من قلم أظفاره يوم الجمعة أعاذه الله تعالى من البلايا إلى الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام" وفي الحديث الآخر "من أراد أن يأمن من الفقر وشكاية العين فليقلم أظفاره يوم الخميس بعد العصر" قال في "المقاصد الحسنة" قص الأظفار لم يثبت في كيفيته ولا في تعيين يوم له عن النبي عليه السلام شيء وما يعزى من النظم في ذلك لعلي رضي الله تعالى عنه وهو :
تقليمك الأظفار فيه سنة وأدب
يمينها خوابس يسارها أو خسب
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٢١