﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِّنْهُمْ﴾ فما هديتكم فحينئذٍ نقول كما صليت على إبراهيم إلخ ثم نلاحظ أن هذه الخيرات كلها من الله تعالى فنقول شكراً لإحسانه ربنا إنك حميد مجيد.
وفي الخبر أن إبراهيم عليه السلام رأى في المنام جنة عريضة مكتوب على أشجارها لا إله إلا الله محمد رسول الله فسأل جبريل عنها فأخبره بالقصة فقال : يا رب اجر على لسان أمة محمد ذكري فاستجاب الله دعاءه وضمه في الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلّم قال كأنه قيل فماذا قال إبراهيم عليه السلام عنده فقيل :﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى﴾ عطف على الكاف في جاعلك ومن تبعيضية متعلقة بجاعل أي : وجاعل بعض ذريتي إماماً يقتدى به أي : اجعل لكنه راعى الأدب بالاحتراز عن صورة الأمر وتخصيص البعض بذلك لبداهة استحالة إمامة الكل وإن كانوا على الحق والذرية نسل الرجل وقد تطلق على الآباء والأبناء من الذكور والإناث والصغار والكبار ومنه قوله تعالى :﴿وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (يس : ٤١) أراد آباءهم الذين حملوا في السفينة وتقع الذرية على الواحد كما في قوله تعالى :﴿رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ ((آل عمران : ٣٨)) يعني : ولداً صالحاً ﴿قَالَ﴾ الله استئناف أيضاً ﴿لا يَنَالُ﴾ لا يصيب ﴿عَهْدِي الظَّـالِمِينَ﴾ يعني أن أولادك منهم مسلمون وكافرون فلا تصل الإمامة والاستخلاف بالنبوة الذي عهدت إليك من كان ظالماً من أولادك وغيرهم وإنما ينال عهدي من كان بريئاً من الظلم لأن الإمام إنما هو لمنع الظلم فكيف يجوز أن يكون ظالماً وإن جاز فقد جاء المثل السائر "من استرعى الذئب الغنم ظلم".
قال المعتزلة وفيه دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة ولا يقدم للصلاة قلنا الظالم أريد به الكافر والصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف وإراقة الدماء وإطلاق أيدي السفهاء وشن الغارات على المسلمين والفساد في الأرض.
وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الكبائر قبل البعثة وبعدها.
قال ابن الشيخ في "حواشيه" فيه بحث لأن مدلول الآية أن الظالم ما دام ظالماً لا تناله الإمامة لا أن من كان ظالماً في وقت ما من الأوقات ثم تاب منه لا ينال الإمامة والفرق بينهما أن الظلم الحالي يخل بالمقصود من نصب الإمام وهو إخلاء وجه الأرض من الظلم والفساد وحماية أموال الناس وأعراضهم من تعرض الظلمة المفسدين بخلاف الظلم القديم الذي تاب عنه الظالم فإنه ليس بمخل للمقصود فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
قال حضر الشيخ أفتادة أفندي قدس سره لا تعطى الولاية لولد الزنى قال : واشكر الله تعالى على أن جعلني أول ولد ولدته أمي فإنه أبعد من أن يصدر ألفاظ الكفر من أحد أبوي.
قال المولى الهدائي قدس سره : قلت والفقير أيضاً كذلك.
وقال السخاوي في "المقاصد الحسنة" : حديث "لا يدخل الجنة ولد زنية" إن صح فمعناه إذا حمل بمثل عمل أبويه واتفقوا على أنه لا يحمل
٢٢٤
على ظاهره وقيل في تأويله أيضاً أن المراد به من يواظب الزنى كما يقال للشهود بنوا الصحف وللشجعان بنوا الحرب ولأولاد المسلمين بنوا الإسلام انتهى كلامه.
ثم في الآية إشارة إلى أن من أراد أن يبلغ درجة الأخيار ليقتدى به فليلازم التعب وجهد النفس في طاعة الله تعالى.
قال السعدي :
و يوسف كسى در صلاح وتميز
بسى ساله بايد كه كردد عزيز
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٢١