﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾ أي : واذكر يا محمد وقت تصييرنا الكعبة المعظمة ﴿مَثَابَةً﴾ كائنة ﴿لِلنَّاسِ﴾ أي : مباءة ومرجعاً للحجاج والمعتمرين يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه أي : يرجع إليه أعيان الذين يزورونه بأن يحجوه مرة بعد أخرى أو يرجع أمثالهم وأشباههم في كونهم وفد الله وزوار بيته فإنهم لما كانوا أشباهاً للزائرين أولاً كان ما وقع منهم من الزيادة ابتداء بمنزلة عود الأولين فتعريف الناس للعهد الذهني ﴿وَأَمْنًا﴾ موضع أمن فإن المشركين كانوا لا يتعرضون لسكان الحرم ويقولون البيت بيت الله وسكانه أهل الله بمعنى أهل بيته وكان الرجل يرى قاتل أبيه في الحرم فلا يتعرض له ويتعرضون لمن حوله وهذا شيء توارثوه من دين إسماعيل عليه السلام فبقوا عليه إلى أيام النبي عليه السلام أو يأمن حاجة من عذاب الآخرة من حيث أن الحج يجبّ ما قبله أي : يقطع ويمحو ما وجب قبله من حقوق الله تعالى الغير المالية مثل كفارة اليمين وأما حقوق العباد فلا يجبّها الحج كذا في "حواشي ابن الشيخ" ولكن روي أن الله تعالى استجاب دعاء النبي صلى الله عليه وسلّم ليلة المزدلفة في الدماء والمظالم كذا في "الكافي" و"تفسير الفاتحة للفناري" وغيرهما ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ أي : وقلنا اتخذوا على إرادة القول لئلا يلزم عطف الإنشاء على الإخبار ﴿مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِامَ مُصَلًّى﴾ أي : موضع الصلاة ومن للتبعيض ومقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه أو الموضع الذي كان فيه حيث قام عليه ودعا الناس إلى الحج أو حين رفع بناء البيت والذي يسمى اليوم مقام إبراهيم هو موضع ذلك الحجر.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٢٥
ـ روي ـ أنه لما أتى إبراهيم بإسماعيل وهاجر ووضعهما بمكة وأتت على ذلك مدة ونزلها الجرهميون وتزوج إسماعيل منهم امرأة وماتت هاجر استأذن إبراهيم سارة في أن يأتي هاجر فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل فقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر فذهب إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته : أين صاحبك؟ قالت : ذهب يتصيد وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيصيد فقال لها إبراهيم : هل عندك ضيافة؟ قالت : ليست عندي وسألها عن عيشهم فقالت : نحن في ضيق وشدة فشكت إليه فقال لها : إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له فليغير عتبة بابه والمراد ليطلقك فإنك لا تصلحين له امرأة وذهب إبراهيم فجاء إسماعيل فوجد ريح أبيه فقال لامرأته : هل جاءك أحد؟ قالت : جاءني شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفة بشأنه وقال : فما قال لك؟ قالت : قال أقرئي زوجك السلام وقولي له فليغير عتبة بابه قال : ذلك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها وتزوج منهم أخرى فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث ثم استأذن سارة في أن يزور إسماعيل فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل فقال لامرأته أين صاحبك؟ قالت : ذهب يتصيد وهو يجيء الآن إن شاء الله فانزل رحمك الله قال : هل عندك
٢٢٥
ضيافة؟ قالت : نعم فجاءت باللبن واللحم وسألها عن عيشهم قالت : نحن في خير وسعة فدعا لهما بالبركة ولو جاءت يومئذٍ بخبز برّ أو شعير أو تمر لكانت أكثر أرض الله برّاً أو شعيراً أو تمراً وقالت له : انزل حتى أغسل رأسك فلم ينزل فجاءت بالمقام فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه وهو راكب فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولته إلى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر فبقي أثر قدميه عليه وقال لها إذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولي له قد استقامت عتبة بابك فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال لامرأته : هل جاءك أحد؟ قالت : نعم جاء شيخ أحسن الناس وجهاً وأطيبهم ريحاً فقال لي كذا وكذا وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه فقال : ذاك إبراهيم وأنت عتبة بابي أمرني أن أمسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً تحت دوحة قريبة من زمزم فلما رآه قام إليه فصنع كما يصنع الولد بالوالد ثم قال : يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر أتعينني عليه؟ قال : أعينك عليه قال : أمرني أن أبني ههنا بيتاً فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني فلما ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام إبراهيم على حجر المقام وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجر وهما يقولان :
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٢٥


الصفحة التالية
Icon