واعلم أن رفع الأساس الذي هو البناء عليه يدل على أن البيت كان مؤسساً قبل إبراهيم وأنه إنما بني على الأساس.
واختلف الناس فيمن بنى البيت أولاً وأسسه.
فقيل : هو الملائكة وذلك أن الله تعالى لما قال :﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِى الارْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة : ٣٠) قالت الملائكة ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (البقرة : ٣٠) فغضب عليهم فعاذوا بعرشه وطافوا حوله سبعة أطواف يسترضون ربهم حتى رضي عنهم وقال لهم : ابنوا لي بيتاً في الأرض يتعوذ به من سخطت عليه من بني آدم ويطوف حوله كما طفتم حول عرشي فأرضى عنهم فبنوا هذا البيت.
وقيل : إن الله بنى في السماء بيتاً وهو البيت المعمور ويسمى ضراحاً وأمر الملائكة أن يبنوا الكعبة في الأرض بحياله على قدره ومثاله.
وقيل : أول من بنى الكعبة آدم واندرست زمن الطوفان ثم أظهرها الله لإبراهيم عليه السلام.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٢٩
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : لما أهبط الله تعالى آدم من الجنة إلى الأرض قال له : يا آدم اذهب فابن لي بيتاً وطف به واذكرني عنده كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي فأقبل آدم يتخطى وطويت له الأرض وقبضت له المفاوز فلا يقع قدمه على شيء من الأرض إلا صار عامراً حتى انتهى إلى موضع البيت الحرام وإن جبرائيل ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن الأس الثابت على الأرض السابعة السفلى وقدمت إليه الملائكة بالصخر فما يطيق حمل الصخرة منها ثلاثون رجلاً وأنه بناه من خمسة أجبل : طور سيناء، وطور زيتاء، ولبنان وهو جبل بالشام، والجودي وهو جبل بالجزيرة، وحرام وهو جبل بمكة وكان ربضه من حراء أي : الأساس المستدير بالبيت من الصخر فهذا بناء آدم.
وروي أن الله خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام وكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحته فلما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض استوحش فشكا إلى الله فأنزل الله البيت المعمور من ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد أخضر باب شرقي وباب غربي فوضعه على موضع البيت وقال : يا آدم إني أهبطت لك بيتاً فطف به كما يطاف حول عرشي وصلِّ عنده كما يصلى عند عرشي وأنزل الحجر وكان أبيض فاسودّ من لمس الحيض في الجاهلية فتوجه آدم من أرض الهند إلى مكة ماشياً وقيض الله له ملكاً يدله على البيت.
قيل لمجاهد : لم لم يركب؟ قال : وأي شيء كان يحمله إن خطوته مسيرة ثلاثة أيام فأتى مكة وحج البيت وأقام المناسك فلما فرغ تلقته الملائكة فقالوا : برّ حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، قال : ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حج آدم أربعين حجة من الهند إلى مكة على رجليه فبقي البيت يطوف به هو والمؤمنون من ولده إلى أيام الطوفان فرفعه الله في تلك الأيام إلى السماء الرابعة
٢٣٠
يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه وبعث الله جبرائيل حتى خبأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة له من الغرق وكان موضع البيت خالياً إلى زمن إبراهيم عليه السلام ثم إن الله أمر إبراهيم ببناء بيت يذكر فيه فسأل الله تعالى أن يبين له موضعه فبعث الله السكينة لتدله على موضع البيت وهي ريح حجوج لها رأسان شبه الحية وأمر إبراهيم أن يبني حيث استقر السكينة فتبعها إبراهيم حتى أتيا مكة فتطوت السكينة على موضع البيت أي : تحوت وتجمعت واستدارت كتطوي الحجفة ودورانها فقالت لإبراهيم ابن على موضعي الأساس فرفع البيت هو وإسماعيل حتى انتهى إلى موضع الحجر الأسود فقال لابنه : يا بني ائتني بحجر أبيض حسن يكون للناس علماً فأتاه بحجر فقال : ائتني بأحسن من هذا فمضى إسماعيل يطلبه فصاح أبو قبيس : يا إبراهيم إن لك عندي وديعة فخذها فإذا هو بحجر أبيض من ياقوت الجنة كان آدم قد نزل به من الجنة كما وجد في بعض الروايات أو أنزله الله تعالى حين أنزل البيت المعمور كما مر فأخذ إبراهيم ذلك الحجر فوضعه مكانه فلما رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت جاءت سحابة مربعة فيها رأس فنادت أن ارفعا على تربيعي فهذا بناء إبراهيم عليه السلام.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٢٩