وروي أن إبراهيم وإسماعيل لما فرغا من بناء البيت أعطاهما الله تعالى الخيل جزاء معجلاً على رفع قواعد البيت وكانت الخيل وحشية كسائر الوحوش فلما أذن الله لإبراهيم وإسماعيل برفع القواعد قال الله : إني معطيكما كنزاً ادخرته لكما ثم أوحى إلى إسماعيل أن اخرج إلى أجياد فادع يأتك الكنز فخرج إلى أجياد ولا يدري ما الدعاء ولا الكنز فألهمه الله فدعا فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا جاءته فأمكنه من ناصيتها وذللها له فاركبوها وأعلفوها فإنها ميامين وهي ميراث أبيكم إسماعيل وإنما سمي الفرس عربياً لأن إسماعيل هو الذي أمر بدعائه وهو أتى إليه والعربي نسبة إلى عربة بفتحتين وهي باحة العرب لأن أباهم إسماعيل نشأ بها قيل : كان إبراهيم يتكلم بالسريانية وإسماعيل بالعربية وكل واحد منهم يفهم ما يقوله صاحبه ولا يمكنه التفوه به.
وأما بنيان قريش إياه فمشهور وخبر الحية في ذلك مذكور وكانت تمنعهم من هدمه إلى أن اجتمعت قريش فعجوا إلى الله تعالى أي : رفعوا أصواتهم وقالوا : لم نراع وقد أردنا تشريف بيتك وتزيينه فإن كنت ترضى بذلك وإلا فما بدا لك فافعل فأسمعوا خواتاً في السماء والخوات دوي جناح الطير الضخم أي : صوته فإذا هم بطائر أعظم من النسر أسود الظهر أبيض البطن والرجلين فغمز مخالبه في قفا الحية ثم انطلق بها تجر ذنبها أعظم من كذا وكذا حتى انطلق بها إلى أجياد فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها فرفعوها في السماء عشرين ذراعاً.
وذكر عن الزهري أنهم بنوها حتى إذا بلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن أي : القبائل تلي رفعه حتى شجر بينهم فقالوا حتى نحكم أول من يطلع علينا من هذه السكة فاصطلحوا على ذلك فأطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب ثم أمر سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو على البناء فرفعوا إليه الركن فأخذه من الثوب فوضعه في مكانه قيل : إن قريشاً وجدوا في الركن كتاباً بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من اليهود فإذا فيه أنا الله ذو مكة
٢٣١
خلقتها يوم خلقت السموات والأرض وصورت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك احتفاء لا تزول حتى يزول أخشباها مبارك لأهلها في الماء واللبن.
وعن أبي جعفر كان باب الكعبة على عهد العماليق وجرهم وإبراهيم بالأرض حتى بنته قريش.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الجدار أمن البيت هو قال :"نعم" قلت : فلم لم يدخلوه؟ قال :"إن قومك قصرت بهم النفقة" قلت : فما شأن بابه مرتفعاً قال :"فعل ذلك قومك ولولا حدثانهم بالجاهلية لهدمت الكعبة فألزق بابها بالأرض وجعلت لها بابين : باباً شرقياً وباباً غربياً وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشاً اقتصرتها حيث بنت الكعبة فهذا بناء قريش" ثم لما غزا أهل الشام عبد الله بن الزبير ووهت الكعبة من حريقهم هدمها ابن الزبير وبناها على ما أخبرته عائشة فجعل لها بابين : باباً يدخلون منه وباباً يخرجون منه وزاد فيه مما يلي الحجر ست أذرع وكان طولها قبل ذلك ثماني عشرة ذراعاً ولما زاد في البناء مما يلي الحجر استقصر ما كان من طولها تسع أذرع فلما قتل ابن الزبير أمر الحجاج أن يقرر ما زاده ابن الزبير في طولها وأن ينقص ما زاده من الحجر ويردها إلى ما بناها قريش وأن يسد الباب الذي فتحه إلى جانب الغرب.
جزء : ١ رقم الصفحة : ٢٢٩


الصفحة التالية
Icon